العدد 1708 /25-3-2026
بسام غنوم

تشهد الجبهة الجنوبية في لبنان تصعيدًا متدرجًا يضع البلاد أمام احتمالات معقدة، مع تزايد الحديث في الأوساط السياسية والعسكرية عن سيناريو اجتياح بري قد تنفذه إسرائيل وصولًا إلى نهر الليطاني. وبين التهويل والوقائع الميدانية، تتكثف المؤشرات التي تستدعي قراءة دقيقة لمآلات المرحلة المقبلة.

منذ أشهر، تتسم المواجهة على الحدود بطابع "الحرب المحدودة”، حيث تتبادل إسرائيل وحزب الله الضربات ضمن قواعد اشتباك غير معلنة. غير أن وتيرة العمليات ونوعيتها شهدتا تطورًا لافتًا، سواء من حيث استخدام الأسلحة الدقيقة أو توسيع نطاق الاستهدافات، ما يعكس ارتفاع مستوى المخاطر واحتمالات الانزلاق.

في هذا السياق، يُطرح خيار الاجتياح البري كأحد السيناريوهات التي قد تلجأ إليها إسرائيل في حال قررت تغيير قواعد اللعبة. ويستند هذا الطرح إلى هدف استراتيجي يتمثل في إبعاد مقاتلي حزب الله عن الحدود، وإنشاء منطقة عازلة تمتد حتى نهر الليطاني، بما يعيد فرض معادلة أمنية مشابهة لتلك التي سعت إسرائيل إلى تكريسها في مراحل سابقة.

إلا أن هذا السيناريو، رغم تداوله، يواجه تحديات كبيرة. فالتجارب السابقة، ولا سيما خلال حرب تموز 2006، أظهرت أن أي تقدم بري داخل الأراضي اللبنانية ينطوي على كلفة بشرية وعسكرية مرتفعة. كما أن حزب الله راكم منذ ذلك الحين قدرات قتالية وتنظيمية تجعل من أي عملية برية مواجهة معقدة ومفتوحة على احتمالات غير محسوبة.

من جهة أخرى، تدرك إسرائيل أن أي اجتياح واسع قد يؤدي إلى توسع رقعة المواجهة إقليميًا، في ظل ترابط الساحات وتداخل الحسابات بين أطراف عدة. وهو ما يفسر، حتى الآن، اعتمادها على سياسة الضغط العسكري التدريجي، بدل الذهاب إلى خيار الحسم الميداني الشامل.

لبنانيًا، يفاقم هذا المشهد حالة القلق الداخلي، خصوصًا في ظل الأزمات الاقتصادية والسياسية التي تعاني منها البلاد. إذ إن أي عملية عسكرية واسعة ستضع لبنان أمام تداعيات كارثية، ليس فقط على المستوى الأمني، بل أيضًا على صعيد البنية التحتية والاقتصاد المنهك أساسًا.

في المقابل، تلعب التحركات الدبلوماسية الدولية دورًا في محاولة احتواء التصعيد ومنع تحوله إلى حرب مفتوحة. وتبرز مساعٍ لإعادة تثبيت قواعد الاشتباك القائمة، أو الدفع نحو ترتيبات أمنية جديدة تخفف من حدة التوتر على الحدود.

في المحصلة، يبقى سيناريو الاجتياح البري حتى نهر الليطاني احتمالًا قائمًا، لكنه ليس حتميًا في المدى المنظور، نظرًا لتعقيد كلفته وتداعياته. وبين التصعيد المضبوط والرغبة في تجنب الحرب الشاملة، تستمر الجبهة اللبنانية في التأرجح ضمن معادلة دقيقة، حيث يمكن لأي تطور مفاجئ أن يعيد رسم المشهد بشكل جذري.

    بسام غنوم