العدد 1712 /22-4-2026
بسام غنوم

في ظل الواقع الإقليمي المضطرب، يبدو وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل أقرب إلى هدنة مؤقتة منه إلى تسوية مستدامة.فالتاريخ الطويل من المواجهات، وتعقيدات التوازنات الداخلية والإقليمية، يجعلان من الصعب الجزم بأن الأوضاع ستعود إلى ما كانت عليه قبل الاتفاق، أو أن الهدوء الحالي سيصمد لفترة طويلة.

من الناحية الميدانية، لا تزال عوامل التوتر قائمة.الحدود الجنوبية للبنان تشهد حالة من "الهدوء الحذر، حيث تترافق التهدئة مع استنفار غير معلن.أي حادث أمني محدودسواء كان خطأً تكتيكياً أو رسالة محسوبةقد يتحول سريعاً إلى شرارة تصعيد.هذا النمط من "الاستقرار الهشليس جديداً، بل تكرر في محطات سابقة، حيث بقيت الجبهة قابلة للاشتعال رغم الاتفاقات.

سياسياً، يرتبط صمود وقف إطلاق النار بجملة عوامل داخلية وخارجية. في لبنان، يعاني النظام السياسي من انقسامات حادة وأزمة اقتصادية عميقة، ما يضعف قدرته على فرض رؤية موحدة تجاه ملف الحرب والسلم.في المقابل، تخضع إسرائيل أيضاً لحسابات داخلية وضغوط أمنية تدفعها أحياناً إلى تبني سياسات أكثر تشدداً.هذه التوازنات تجعل القرار العسكري لدى الطرفين رهينة لحسابات تتجاوز حدود الجغرافيا اللبنانية.

إقليمياً، لا يمكن فصل المشهد عن الصراع الأوسع في المنطقة.أي تصعيد بين قوى كبرى أو أطراف إقليمية قد ينعكس مباشرة على الساحة اللبنانية. فلبنان غالباً ما يكون ساحة تداخل للرسائل السياسية والعسكرية، ما يعني أن استقرار حدوده الجنوبية مرتبط بتفاهمات غير مكتوبة بين قوى خارجية.

أما على المستوى الدولي، فهناك رغبة واضحة في منع الانزلاق إلى حرب شاملة، نظراً لما قد تحمله من تداعيات كارثية على المنطقة.الضغوط الدبلوماسية، والتحركات عبر القنوات الخلفية، تلعب دوراً أساسياً في تثبيت وقف إطلاق النار، ولو بشكل مؤقت.غير أن هذه الجهود تبقى عرضة للاهتزاز في حال تغيرت أولويات القوى الدولية أو انشغلت بأزمات أخرى.

السؤال الجوهري يبقى:هل يمكن العودة إلى ما قبل التصعيد؟ الواقع يشير إلى أن "العودة الكاملةباتت شبه مستحيلة. فكل جولة مواجهة تترك آثاراً جديدة، سواء على مستوى البنية التحتية أو التوازنات العسكرية أو المزاج الشعبي.وبالتالي، فإن أي مرحلة لاحقة تكون مختلفة بطبيعتها، حتى وإن بدا المشهد الخارجي مشابهاً.

في المقابل، صمود وقف إطلاق النار ليس مستحيلاً، لكنه مشروط.يحتاج ذلك إلى توافر إرادة سياسية لدى الأطراف المعنية لتجنب التصعيد، وإلى استمرار الضغط الدولي، إضافة إلى ضبط الميدان ومنع الانجرار إلى ردود فعل غير محسوبة. كما أن تحسين الأوضاع الاقتصادية في لبنان قد يسهم بشكل غير مباشر في تقليل احتمالات الانفجار.

في المحصلة، يقف لبنان اليوم عند مفترق دقيق:بين هدنة قابلة للاستمرار إذا توافرت شروطها، وتصعيد محتمل إذا اختلت هذه الشروط. وبين هذين الخيارين، يبقى العامل الحاسم هو قدرة الأطراف على إدارة التوتر، لا إنهائه. فالهدوء الحالي ليس سلاماً دائماً، بل استراحة مؤقتة في صراع لم تُحسم أسبابه بعد.

   بسام غنوم