العدد 1713 /29-4-2026
بسام غنوم
يشكّل الخلاف بين حزب الله
والحكومة اللبنانية حول إدارة ملف المفاوضات مع إسرائيل أحد أبرز التحديات
السياسية التي تواجه لبنان في المرحلة الراهنة، خاصة في ظل حساسية هذا الملف
وارتباطه بالسيادة والأمن والاستقرار الإقليمي. ويطرح هذا التباين في المواقف تساؤلات
مشروعة حول مدى تأثيره على موقع الدولة اللبنانية التفاوضي، وقدرتها على تحقيق
مكاسب أو حتى الحفاظ على حقوقها.
من الناحية النظرية، يفترض أن
تتسم أي دولة تدخل مفاوضات حساسة بوحدة الموقف الداخلي، لأن الانقسام يبعث برسائل
ضعف إلى الطرف المقابل. في الحالة اللبنانية، يبدو المشهد أكثر تعقيداً، إذ
لا يقتصر الأمر على اختلاف سياسي تقليدي، بل يمتد إلى تباين في المرجعيات والآليات. فالحكومة
اللبنانية، بوصفها الجهة الرسمية المعترف بها دولياً، تسعى إلى إدارة المفاوضات
ضمن الأطر الدبلوماسية والقانونية، بينما يحتفظ حزب الله بمقاربة مختلفة تستند إلى
معادلة "المقاومة” كعامل ضغط موازٍ.
هذا التباين قد يُفسَّر
خارجياً على أنه غياب لمرجعية قرار موحّدة، ما قد يضعف القدرة التفاوضية للحكومة. فإسرائيل، أو أي
وسيط دولي، قد يجد في هذا الانقسام فرصة للمناورة أو فرض شروط أكثر تشدداً،
مستفيداً من عدم وضوح الجهة التي تملك الكلمة الفصل. كما أن تعدد الخطابات يخلق إرباكاً في
الرسائل السياسية، وهو عنصر أساسي في أي عملية تفاوض ناجحة.
في المقابل، يرى البعض أن وجود"أوراق
قوة” خارج الإطار الرسمي، مثل قدرات حزب الله، قد يعزز موقف لبنان بشكل غير مباشر. فالتاريخ الحديث
يُظهر أن التوازنات الميدانية تؤثر في نتائج التفاوض، وأن القوة الصلبة أحياناً
تفرض نفسها كعامل مكمل للدبلوماسية. إلا أن هذه المقاربة تبقى محفوفة بالمخاطر،
إذ قد تؤدي إلى خلط بين القرار السيادي والمؤثرات غير الرسمية، ما يضعف مؤسسات
الدولة على المدى الطويل.
المشكلة الأساسية لا تكمن فقط
في وجود اختلاف، بل في غياب آلية واضحة لإدارته. ففي الدول المستقرة، يمكن احتواء التباينات
ضمن مؤسسات دستورية تضمن وحدة القرار النهائي. أما في لبنان، حيث التوازنات الطائفية
والسياسية دقيقة، فإن أي خلاف يتحول بسرعة إلى عامل شلل أو انقسام علني، وهو ما
ينعكس سلباً على صورة الدولة أمام المجتمع الدولي.
من جهة أخرى، لا يمكن تجاهل أن
المجتمع الدولي يفضّل التعامل مع جهة رسمية واحدة. أي تشكيك في قدرة الحكومة على تمثيل لبنان
بشكل حصري يضعف ثقة الوسطاء، ويجعل عملية التفاوض أكثر تعقيداً. وهذا ما قد يؤدي
إلى إطالة أمد المفاوضات أو تقليص هامش المكاسب الممكنة.
في المحصلة، يمكن القول إن
الخلاف بين حزب الله والحكومة اللبنانية لا يخدم الموقف التفاوضي للدولة، بل يضعفه
في حدوده الدنيا ويعقّده في حدوده القصوى. فحتى لو وُجدت عناصر قوة خارج الإطار
الرسمي، فإن غياب التنسيق المؤسسي يحوّل هذه القوة إلى عامل إرباك بدلاً من أن
تكون رافعة وطنية.
الحل لا يكمن بالضرورة في
إنهاء الاختلاف، بل في تنظيمه ضمن استراتيجية وطنية واضحة، تُحدّد الأدوار وتوحّد
الخطاب النهائي. فالتفاوض، في جوهره، ليس فقط صراع مصالح مع طرف خارجي، بل هو أيضاً اختبار
لقدرة الدولة على إدارة تناقضاتها الداخلية وتحويلها إلى عناصر قوة بدل أن تكون
نقاط ضعف.
بسام غنوم