العدد1718 /3-6-2026

إنديرا الشوفي

مع استمرار الاعتداءات الإسرائيلية على الجنوب اللبناني، تتعمق الأزمة الاقتصادية في وقت تعاني فيه الدولة واحدة من أسوأ الأزمات المالية في تاريخها الحديث. فالحرب الأخيرة لا تُقاس بحجم الدمار البشري والعمراني الذي خلفته فقط، بل أيضاً بالكلفة الاقتصادية الهائلة التي تفرضها على دولة شبه مفلسة، تعاني عجزاً مالياً حاداً، وقطاعاً مصرفياً منهاراً، وغياباً شبه كامل لمصادر التمويل. وبين الدمار المتصاعد والحاجة إلى إعادة الإعمار، يجد لبنان نفسه أمام فاتورة حرب تبدو أكبر من قدرته على التحمل، في ظل اعتماد متزايد على المساعدات الخارجية واستمرار الغموض السياسي والأمني.

منذ اندلاع المواجهات، تكبد لبنان خسائر مباشرة وغير مباشرة طاولت البنية التحتية والمنازل والقطاعات الإنتاجية، خصوصاً في الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية لبيروت. وتعرضت طرقات وشبكات كهرباء ومياه ومنشآت زراعية وتجارية لأضرار متفاوتة، فيما تعطلت الحركة الاقتصادية في مناطق واسعة نتيجة النزوح والخوف من توسع الحرب. لكن المشكلة الأساسية لا تكمن في حجم الدمار فقط، بل في قدرة الدولة اللبنانية على تحمّل كلفته. فلبنان الذي أعلن تعثره عن سداد ديونه عام 2020، لا يمتلك اليوم احتياطيات مالية كافية ولا مؤسسات قادرة على تمويل عملية إعادة إعمار واسعة.

كذلك فإن المالية العامة تعاني انهياراً حاداً، في ظل تراجع الإيرادات الضريبية، واهتراء القطاع المصرفي، وانعدام الثقة الدولية بالإصلاحات الحكومية. إلا أن الأخطر يتمثل بالكلفة غير المباشرة، المرتبطة بتراجع الاستثمار والسياحة والإنتاج الزراعي والتجاري، إضافة إلى ارتفاع معدلات البطالة والفقر والنزوح الداخلي. وأظهرت دراسة صادرة عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات أن لبنان يواجه تحديات غير مسبوقة في تمويل إعادة الإعمار بعد الحرب الإسرائيلية، بسبب تراكم الأزمات الاقتصادية والمالية منذ انهيار القطاع المصرفي عام 2019، والتخلف عن سداد الدين السيادي منذ مارس/ آذار 2020، إضافة إلى عدم التوصل إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي.

كذلك تفاقمت الأزمة بعد انفجار مرفأ بيروت، ثم مع حرب الإسناد التي بدأها حزب الله في أكتوبر/ تشرين الأول 2023، والتي تطورت لاحقاً إلى حرب واسعة خلّفت دماراً هائلاً، قبل انخراط الحزب مجدداً في مارس 2026 في جولة جديدة من الحرب. وبحسب الدراسة، تُقدّر الأضرار التراكمية منذ أكتوبر 2023 وحتى الجولة الأخيرة من الحرب في عام 2026 بأكثر من 20 مليار دولار. ووفق تقديرات البنك الدولي، بلغت الأضرار المباشرة لحرب 2024 نحو 3.4 مليارات دولار، فيما قُدّرت الخسائر الاقتصادية بـ5.1 مليارات دولار، قبل أن تُرفع التقديرات لاحقاً إلى 6.9 مليارات دولار أضراراً مباشرة و7.2 مليارات دولار خسائر اقتصادية، مع كلفة تعافٍ وإعادة إعمار تُقدّر بنحو 11 مليار دولار.

في الجنوب، يعيش آلاف السكان حالة نزوح طويلة، فيما فقد كثيرون مصادر دخلهم، سواء من الزراعة أو التجارة أو الوظائف اليومية. وتعرض الموسم الزراعي لضربات قاسية نتيجة استهداف الأراضي والحرائق وصعوبة الوصول إلى الحقول، ما يهدد الأمن الغذائي المحلي ويزيد الضغوط الاجتماعية. ويعني استمرار الحرب عملياً ارتفاع ما يمكن وصفه بـ"الدين الضمني" على الدولة اللبنانية، أي الالتزامات المالية المستقبلية المرتبطة بإعادة بناء المنازل والبنى التحتية وتعويض المتضررين. وحتى لو لم تُسجل هذه الخسائر مباشرة في الموازنة العامة، فإنها ستتحول لاحقاً إلى عبء اقتصادي واجتماعي طويل الأمد، في بلد يعاني أساساً من انهيار الخدمات العامة وعجز المؤسسات.

وفي ظل هذا الواقع، يبدو لبنان أكثر اعتماداً من أي وقت مضى على التمويل الخارجي. فالحكومة اللبنانية تدرك أنها عاجزة عن تمويل إعادة الإعمار منفردة، ما يدفعها إلى الرهان على المساعدات الدولية والعربية، سواء عبر المنظمات الإنسانية أو الدول المانحة أو القروض الميسرة. غير أن هذا الرهان يواجه تعقيدات سياسية واقتصادية كبيرة. فالدول المانحة تربط أي دعم مالي واسع بتنفيذ إصلاحات بنيوية طال انتظارها، تشمل إعادة هيكلة القطاع المصرفي، وضبط المالية العامة، وتعزيز الشفافية ومكافحة الفساد. كذلك فإن كثيراً من الجهات الدولية لا تبدو مستعدة لضخ أموال ضخمة في ظل غياب رؤية سياسية واضحة للاستقرار في لبنان والمنطقة.

ويعيد هذا المشهد إلى الأذهان تجربة ما بعد حرب يوليو/ تموز 2006، حين اعتمد لبنان بشكل كبير على التمويل الخارجي لإعادة الإعمار، لكن الفارق اليوم أن الدولة كانت آنذاك تمتلك هامشاً مالياً ومصرفياً أوسع بكثير مما هو متاح حالياً. أما اليوم، فإن لبنان يواجه الحرب وهو في قلب انهيار اقتصادي شامل، ما يجعل أي دمار جديد أكثر كلفة وأطول أثراً. وفي ظل غياب حلول سياسية قريبة، تبقى المخاوف قائمة من تحول كلفة الحرب إلى أزمة مزمنة إضافية تضاف إلى سلسلة الانهيارات التي يعيشها لبنان منذ سنوات. وبين دولة شبه مفلسة، وتمويل خارجي مشروط، ودمار يتوسع مع استمرار الاعتداءات، تبدو فاتورة الحرب أكبر بكثير من قدرة لبنان على تحمّلها وحده.