العدد 1707 /18-3-2026
بسام غنوم
في خضم التصعيد العسكري المتواصل على الجبهة اللبنانية، عادت الدبلوماسية
الدولية إلى التحرك مجدداً عبر مبادرة فرنسية تهدف إلى وقف إطلاق النار ومنع توسّع
الحرب. هذه المبادرة، التي تقودها فرنسا بدعم أوروبي ودولي، تعكس
إدراكاً متزايداً بأن استمرار المواجهة على الحدود اللبنانية قد يجر المنطقة إلى
صراع أوسع، يصعب احتواؤه لاحقاً.
تعتمد المبادرة الفرنسية على مجموعة من العناصر الأساسية.أولها العمل على وقف فوري لإطلاق النار على طول الحدود
الجنوبية، بما يحدّ من وتيرة الضربات المتبادلة ويمنع تحول الاشتباكات المحدودة
إلى حرب شاملة. أما العنصر الثاني فيتعلق بتفعيل الدور الدولي في مراقبة
الوضع الأمني عبر دعم آليات الرقابة القائمة ، وتعزيز الالتزام بالقرارات الدولية
التي تنظم الوضع على الحدود.
كما تتضمن المبادرة مسعى لإطلاق مسار سياسي موازٍ، يهدف إلى معالجة جذور
التوتر، وليس فقط نتائجه العسكرية. فالتجارب السابقة أثبتت أن أي وقف لإطلاق النار يبقى هشاً
ما لم يترافق مع تفاهمات سياسية أوسع تضمن استقراراً طويل الأمد.
غير أن نجاح هذه المبادرة يواجه جملة من التحديات المعقدة.فالمشهد الإقليمي متشابك إلى حد كبير، حيث تتداخل الحسابات
المحلية اللبنانية مع توازنات إقليمية ودولية أوسع.وفي ظل استمرار التوترات في المنطقة، قد تجد الجهود
الدبلوماسية نفسها محكومة بحدود القدرة على التأثير في قرارات الأطراف المنخرطة في
الصراع.
إلى جانب ذلك، تواجه المبادرة الفرنسية تحدياً داخلياً لبنانياً لا يقل أهمية.فالوضع السياسي في البلاد يعاني من انقسامات حادة وشلل
مؤسساتي مستمر، الأمر الذي يضعف قدرة الدولة على لعب دور فاعل في إدارة أي تسوية
محتملة أو ضمان تنفيذها على الأرض.
مع ذلك، تبقى المبادرة الفرنسية واحدة من أبرز المحاولات الدولية الراهنة
لاحتواء التصعيد ومنع انزلاق لبنان إلى حرب مدمرة.فالمجتمع الدولي يدرك أن أي مواجهة واسعة على الساحة
اللبنانية لن تبقى محصورة داخل حدودها، بل ستنعكس على مجمل الاستقرار الإقليمي.
في النهاية، قد لا تكون هذه المبادرة حلاً نهائياً للأزمة، لكنها تمثل نافذة
دبلوماسية مهمة في لحظة شديدة الحساسية. وإذا ما توافرت الإرادة السياسية لدى الأطراف المعنية، فقد
تشكل خطوة أولى نحو تثبيت تهدئة تفتح الباب أمام مسار أوسع يعيد ترتيب المشهد
الأمني والسياسي في لبنان والمنطقة.
بسام غنوم