العدد 1433 / 21-10-2020

دون مقدمات خرج الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على الفرنسيين والعالم بتصريح اعتبر فيه أن "الإسلام يعيش أزمة في كل مكان في العالم". تصريحات ماكرون جاءت خارج أي سياق ودون مناسبة، اللهم إلا إذا كانت مهاجمة الإسلام برنامجاً انتخابياً أراده ماكرون لسحب البساط من تحت منافسيه لاسيما اليمين المتطرف. بعد هذا التصريح بيومين كان ماكرون في استقبال المواطنة الفرنسية "صوفي" التي كانت مختطفة الى مالي من جماعات يُطلق عليها البعض وصف "متشددة". صوفي نزلت من الطائرة وهي تضع حجاباً على رأسها، لم تنتظر صوفي طويلاً بل عاجلت ماكرون بإخباره أنها اعتنقت الإسلام وصار اسمها "مريم" وهي تعتزم العودة لمالي مرة أخرى. صدمة دفعت ماكرون لإلغاء تصريحاته الصحفية التي كانت مقررة مسبقاً، والتي كان يرجّح أن يستغلها للهجوم على الإسلام مرة أخرى، فغادر المطار تاركاً صوفي تصافح مُستقبليها. لم يطل انتظار ماكرون لاستغلال فرصة أخرى، فكانت بعدها بأيام، حين أقدم طالب على قتل أستاذه بعدما عرض الأخير صوراً كاريكاتورية مسيئة للنبي الأكرم صلى الله عليه و سلم في المدرسة. شكلت الحادثة فرصة ذهبية لماكرون وفريقه السياسي لشنّ حملة شعواء على أفراد وجمعيات ومؤسسات إسلامية و اعتقال العشرات وإغلاق عدد من المساجد لاعلاقة لهم بالجاني الذي ارتكب بل لأنهم "أعداء الجمهورية" حسب تصنيف السلطات الفرنسية.

هذا الوضع في فرنسا التي يشكل المسلمون فيها أقلية من الفرنسيين، فرنسا التي تفاخر بعلمانيتها التي أثبتت التجربة أنها لاتمارسها إلا باتجاه الإسلام والمسلمين. فكيف هو الوضع في لبنان العيش المشترك والوحدة الوطنية والإخاء والتعايش والمحبة والسلام. لبنان المتنوّع الذي يتشكّل من 18 طائفة، والتي يمثّل المسلمون فيه (سنّة وشيعة) أكثر من ثلثي عدد سكانه. لبنان الذي يكفل الدستور لأبنائه حرية المعتقد وممارسة الشعائر الدينية، لبنان الذي تخنقه الأزمات وتتلاحق عليه المصائب، ولا يكاد يخرج من ورطة ليقع بأكبر من التي سبقت.

ليس جديداً إدراك أن لبنان بعيشه المشترك وتنوّعه الطائفي يتفوّق على فرنسا العلمانية والعنصرية في مناهضة كل مظهر من مظاهر المسلمين. آخر حلقات هذه العنصرية رفض إحدى المستشفيات السماح للممرضات المحجبات من التدرّب فيها. انتشار الخبر والغضب الذي خلّفه دفع المستشفى للتراجع عن قرارها لكنه -في جميع الأحوال- عكس نهجاً عنصرياً سائداً ومتواصلاً تجاه المعتقدات والشعائر الإسلامية تحديداً. علماً أن في لبنان العديد من المستشفيات التي تقوم على إدارتها والعمل فيها راهبات يضعن على رؤوسهن حجاباً شبيهاً بحجاب المسلمات، لكن لا بأس بذلك طالما أنه لايدلّل على الإسلام، فالمشكلة في بلد العيش المشترك ترتبط فقط بالرموز الإٍسلامية، أما ما عداها من أديان فهي مرحب بها.

ما قامت به المستشفى من عنصرية وتمييز ديني تجاه المحجبات ليس جديداً، فالتمييز تجاه المسلمين لم يتوقف يوماً في لبنان، ومازالت المحجبة حتى يومنا هذا محظور عليها العمل في الكثير من الوظائف، ولعلّ المجال الأكثر وضوحاً هو سلك القضاء، حيث يعدّ ارتداء الحجاب سبباً لرفض المتقدمة، رغم أن معظم العاملين في سلك القضاء من الإناث. ويسمع اللبنانيون كل فترة عن حادثة تمييز ديني، كرفض إدارات بعض المسابح دخول المحجبات إليها أو عدم السماح لها بالسباحة. ولو اقتصر الأمر على المنتجعات الخاصة لقيل إنها تصرفات فردية غير مسؤولة، لكن الملفت أن العنصرية تجاه الحجاب امتدت للشواطئ العامة، التي يتولى عناصر البلدية طرد المحجبات منها، بذريعة أشد عنصرية مفادها أن مرتادي الشاطئ انزعجوا من منظر المحجبات من حولهم.

معاداة كل مظهر إسلامي قد يفهمه البعض في فرنسا وأوروبا والولايات المتحدة. فأنظمة هذه الدول تجاهر بعدائها لكل ما هو إسلامي. لكن ما هو غير مفهوم وغير منطقي وغير مقبول، أن يكون لبنان المتعدد الطوائف والذي يشكل المسلمون فيه أغلبية هذا التمييز الديني تجاه المسلمين.

أوّاب إبراهيم