العدد1718 /3-6-2026
بسام غنوم

يجد لبنان نفسه مجدداً في قلب العاصفة الإقليمية، مع تصاعد التوترات الأمنية على الجبهة الجنوبية وتعثّر المسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران. فالتطورات الأخيرة أظهرت بوضوح أن الساحة اللبنانية لا تزال إحدى أبرز ساحات الاشتباك غير المباشر بين القوى الإقليمية والدولية، ما يطرح تساؤلات جدية حول مستقبل الاستقرار الداخلي وإمكانية تجنيب البلاد الانزلاق إلى مواجهة أوسع.

التصعيد العسكري الإسرائيلي الأخير في لبنان ترافق مع رسائل سياسية حادة من تل أبيب. فقد أكد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن بلاده ستواصل عملياتها العسكرية ما دام الخطر قائماً على حدودها الشمالية، فيما شدد مسؤولون إسرائيليون على أن أي ترتيبات أمنية مستقبلية يجب أن تضمن وقف الهجمات على إسرائيل بصورة كاملة. كما لوّح وزراء في الحكومة الإسرائيلية بمواصلة الضغط العسكري إذا لم تُترجم التفاهمات المطروحة إلى وقائع ميدانية.

في المقابل، تحاول واشنطن احتواء التصعيد خشية انهيار الجهود الدبلوماسية الأوسع في المنطقة. الإدارة الأميركية دفعت خلال الأيام الماضية باتجاه تفاهمات لوقف متبادل للهجمات بين إسرائيل و"حزب الله"، معتبرة أن استقرار لبنان يشكل عنصراً أساسياً في أي ترتيبات إقليمية مقبلة. غير أن تعثر الحوار الأميركي الإيراني زاد من تعقيد المشهد، خصوصاً مع ربط طهران استمرار المفاوضات بوقف العمليات الإسرائيلية في لبنان.

أما إيران، فترى أن ما يجري في لبنان يتجاوز البعد المحلي، وتعتبر أن أي تصعيد إسرائيلي يشكل تهديداً مباشراً للتفاهمات الإقليمية. وقد صدرت مواقف إيرانية تربط بين مستقبل المحادثات مع واشنطن وتطورات الجبهة اللبنانية، ما يعكس حجم الترابط بين الملفات الإقليمية المختلفة.

على الساحة اللبنانية، يتمسك رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون بخيار تثبيت سلطة الدولة وحماية الاستقرار الداخلي، فيما يؤكد رئيس الحكومة نواف سلام ضرورة تحييد لبنان عن صراعات المحاور. وفي المقابل، أعلن رئيس مجلس النواب نبيه بري استعداد "حزب الله" للالتزام بوقف شامل لإطلاق النار إذا التزمت إسرائيل بالمثل، في محاولة لفتح نافذة أمام التهدئة.

يبقى السؤال الأساسي: هل يستطيع لبنان الإفلات من تداعيات الصراع الأميركي الإيراني؟ الواقع يشير إلى أن قدرة بيروت على النأي بنفسها ما زالت محدودة في ظل ارتباط الملف اللبناني بالتوازنات الإقليمية. وبين الضغوط الإسرائيلية والحسابات الإيرانية والمساعي الأميركية، يقف لبنان أمام مرحلة دقيقة قد تفتح الباب أمام تسوية تكرّس الهدوء، أو أمام جولة جديدة من التصعيد تجعل البلاد مرة أخرى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية.

بسام غنوم