العدد1719 /10-6-2026
حسان قطب
حسان القطب..
الظروف الصعبة التي تواجه لبنان واللبنانيين وخاصة الجنوبيين منهم، نتيجة الحرب الاسرائيلية المدمرة والمستمرة، ومع تراجع الدعم الدولي، وغياب المساعدات الكافية لتأمين حاجات النازحين، ومع تردي الوضع الامني، نتيجة غياب خطة امنية تضمن استقرار الداخل وتمنع ادوات الفتنة من بث سمومهم واحقادهم..نرى ان المطلوب لحماية الاستقرار والتنبيه من أية أصوات شاذة أو فتنوية من اية جهة صدرت، يكمن في تشكيل إدارة حقيقية لازمة النزوح، بحيث تخرج المعالجة من دائرة ردة الفعل الى رسم سياسة استيعابية منظمة، تتضافر فيها جهود كافة القوى الرسمية والمدنية والامنية والسياسية.. وحتى الحزبية، لضمان الأمن، والاستقرار، ووأد اية محاولة لاثارة الفتنة، خاصة مع ارتفاع بعض الاصوات المسيئة التي تزرع الخوف كما القلق، او بممارسات تتنافى مع عادات وتقاليد وثقافة وعقائد كل منطقة من المناطق اللبنانية التي استقبلت النازحين واستوعبت القادمين على اسس وطنية وانسانية..وهذا يعني أن المطلوب من الجميع احترام ثقافة بعضهم البعض، والانتباه الى المفردات والمصطلحات التي تثير الانقسام والضغينة، وعدم القيام بأي نشاط يؤدي الى التشجيع على الفتنة، أو يؤجج الانقسام، وخدمة ما يطمح إليه العدو الصهيوني من نقل الصراع الى الداخل اللبناني، للتغطية على جرائمه وممارساته العدائية من قتلٍ وتهجير وتدمير..
من الطبيعي ان يعيش المواطن النازح حالة من القلق والخوف على المصير والمستقبل، نتيجة ما يراه ويسمعه بشكلٍ يومي و بوتيرة مرتفعة، من تصريحات ومواقف اسرائيلية عدائية، وكذلك من تحليلات سياسية محلية لا تعطيه الشعور بالامان او تعزز ثقته بمستقبل حياته على ارض الوطن..بل هي تزيد من خوفه وقلقه وعدم ثقته بشركائه في الوطن..وهذا ما يجب التنبه له، لان من الطبيعي أن تكون المواقف الاسرائيلية قاتمة ومعادية وعدائية ومقلقة، ولكن الخلل يكمن في التصريحات والمواقف التي تطلق في الداخل من بعض الحزبيين او المحللين السياسيين، وحتى بعض رجال الدين المعممين، الذين يعمدون الى اثارة الخوف والقلق، ورفع منسوب عدم الثقة لدى النازحين من البيئات الحاضنة.. كما يعمد البعض الى التلاعب بمضمون بعض التصريحات سواء كانت مكتوبة او تلفزيونية لتاكيد حالة الانقسام والخلاف والاختلاف بين المكونات اللبنانية.. وهذا يعود الى ان البعض من القادة السياسيين وحتى الدينيين، الذين فشلوا في تبرير ما يجري، وفي تفسير ما وصلنا اليه من انهيار أمني وعسكري وسياسي، الى بيئتهم بشكلٍ خاص والى كافة اللبنانيين بشكلٍ عام، وخوفاً من تراجع حضورهم ودورهم وتأثيرهم على هذه البيئة، التي تم الاستثمار فيها لسنوات وعقود، والتي قدمت لهم شبابها كما قدراتها المادية كما الانسانية، لذا يعمدون الى نقل الصراع والمواجهة من الحدود الجنوبية إلى الداخل اللبناني، بحيث يعيش المواطن اللبناني والنازح بشكلٍ خاص حالة من الانفصام بين التركيز على مواجهة العدوان الاسرائيلي، والسعي للخروج من دائرة المراوحة، وبين توجيه السؤال المباشر الى الجهة الحزبية التي أطلقت شرارة الحرب دون أن يكون لديها القدرة على المواجهة الحقيقية والفعالة ضد عدو غاشم وقادر على تعميق جراح المواطن اللبناني، وحتى عدم قدرتها أيضا على تامين ابسط مقومات الصمود سواء على ارض الجنوب او حتى في مراكز الإيواء.. ومع غياب كامل ومؤسف لاية رؤية مستقبلية تعطي بعض الثقة بأن اعادة ما تهدم وتعويض ما تمت خسارته ممكنة او أن هناك خارطة طريق موضوعية لاطلاقها..
والمؤسف ايضاً أن هناك من يعطي هذه الحرب العدوانية ابعاداً دينية وتاريخية، ويقوم ايضاً باسقاطه على الداخل اللبناني، وذلك للتهرب من الاعتراف بالمسؤولية وأن ادارته للحرب كما لتداعيات هذه الحرب لم تكن على المستوى المطلوب، فلا يكون أمام هذا المسؤول او ذاك الا الاندفاع الى اطلاق تصريحات عدائية أو الحث على رفع المنسوب المواجهة مع الداخل باعتباره متواطئ أو متخاذل، او بتحميل المسؤولية لقوى الداخل التي رفضت منطق الحرب سواء لانها ادركت خطورة الانخراط فيها لعدم القدرة على مواجهة تداعياتها او لانها لا تؤمن اصلاً بأن تكون جزءا من محور سياسي وعسكري إقليمي..
لذا فإن ما نحتاج اليه اليوم هو اعلى درجات الوعي، من احترام القوانين، الى التجاوب مع قرارات المؤسسات الرسمية وخاصة الصادرة عن الجهات الرسمية، وعدم الانجراف نحو التعدي او التطاول او اثارة الغرائز والنعرات، لمتابعة معركة المواجهة مع هذا العدو الذي يراهن على تفكك وحدتنا وتصادمنا بما يدمر بلدنا بأيدينا..كما ان علينا جميعاً ودون استثناء ان نتوقف لمراجعة ما وصلنا اليه بعد هذه الحرب المدمرة والتي لم تتوقف الى الآن.. لندرك أن كل يوم اضافي يمر، يعطي الذريعة لإسرائيل ومن يدعمها، لتدمير المزيد من قرانا و بلداتنا، وتهجير المزيد من اهلنا وشعبنا، وقتل أكبر عددٍ ممكن من المواطنين اللبنانيين، أمام نظر العالم وسمعه..
وهنا نقول لمن يرفع اصوات الفتنة والتحريض والبحث عمن يقوم بتحميله مسؤولية ما يجري من دمار وقتل، سواء باحثاً في كتب التاريخ او على أرض الواقع بأن من يتحمل مسؤولية شعب ووطن او مجرد بيئة ومجتمع ومكون، ان يكون اكثر عقلانية وموضوعية وان يكون لديه الشجاعة الكاملة لاعلان تحمله المسؤولية عما وصلنا اليه من معاناة ومآسي ومعاناة، كما نقول لمن يشجع على استمرار الحرب رغم عدم التكافؤ، بأن عليه التوجه جنوباً والانخراط في هذه الحرب بشكلٍ مباشر لا أن يقوم بالتنظير وإطلاق المواقف التحريضية من خلال الشاشات والمواقع الالكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي..
لقد تعب شعبنا من سياسة التحريض وبث افكار الانقسام والفرقة، وادعاءات القوة والقدرة التي لم تكن واقعية او موضوعية..لذلك فإن من المفروض بل من الواجب اعتبار أن الاستقرار الداخلي وتعزيز الانسجام بين المكونات الداخلية واستقرار السلطة السياسية هو اولوية اساسية لمواجهة هذه الحرب العدوانية وتداعياتها الكارثية..