العدد 1707 /18-3-2026

سامح راشد

جرت في الأيام الماضية نقاشات في إمكانية تأدية مصر دوراً ما تجاه الحرب الدائرة في الخليج. وبرز خلاف بين رؤيتين، ترى أولاهما فرصة سانحة أمام القاهرة للاضطلاع بدور "المنقذ" لدول الخليج العربية من الاعتداءات الإيرانية والخذلان الأميركي. والمقصود تدخل الجيش المصري لتوفير مظلة حماية عسكرية لمساعدة هذه الدول على مواجهة الضربات المتتالية والخسائر الفادحة التي تتكبدها من جراء تلك الحرب التي افتعلتها واشنطن لأغراض إسرائيلية حصراً.

رداً على هذا الاقتراح، تعالت أصواتٌ تعتبر أي تدخل توريطاً لمصر في أتون حربٍ ليست معنية بها، فيما هي محاطة على حدودها بأزمات مشتعلة جديرة باحتكار اهتمام مصر وربما قدراتها. خصوصاً أن بعض تلك الأزمات يتقاطع مباشرة مع مقومات الأمن الوطني المصري، بما لا يسمح بأي تراخٍ تجاهها أو الانشغال عنها بملفات أخرى.

وبينما يدور هذا السجال عبر وسائط التواصل الاجتماعي في مصر، حرصت القاهرة الرسمية على عدم إبداء أي موقف أياماً عدة بعد بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران في 28 الشهر الماضي (فبراير/ شباط). ثم أخذ الموقف الرسمي المصري منحىً انتقادياً حادّاً تجاه عمليات القصف التي تقوم بها إيران ضد أهداف داخل دول الخليج العربية. وحالياً تتبنى القاهرة خطاباً سياسياً متعاطفاً مع دول الخليج، إلى حد أن البيانات الرسمية وتصريحات المسؤولين المصريين تعتبر هجمات إيران انتهاكاً لسيادة تلك الدول، من دون تمييز بين المصالح الأميركية المستهدفة إيرانياً وما يقع من خسائر وأضرار في مواقع أو منشآت غير أميركية.

الانحياز المصري الرسمي إلى جانب دول الخليج العربية مفهوم ومبرّر في ضوء الارتباط العضوي للاقتصاد المصري بالاستثمارات الخليجية، ورغبة القاهرة في الاحتفاظ بعلاقات جيدة مع الإدارة الأميركية بقيادة دونالد ترامب. وفي المقابل، تثير المبالغة المصرية في انتقاد طهران، بحدّة وعلناً، تساؤلاتٍ عن مدى صدقيّتها، خصوصاً أن السياسة المصرية تحرص على الموازنة بين روابطها الخليجية وقبولها بالحضور الإيراني الموازن نسبياً أمام إسرائيل. وتدرك القاهرة بالتأكيد مخاطر انفراد إسرائيل بالمنطقة حال كسر إيران وتقويض دورها الإقليمي، خصوصاً بعد إضعافها إقليمياً وقطع أذرعها داخل دول في المنطقة. فرغم الأدوار السلبية لتلك الأذرع على استقرار دولها وتماسكها؛ كانت مصدر قلق دائم لإسرائيل وتستقطع من تركيزها وقدراتها.

في الوقت نفسه، يصعب على القاهرة اتخاذ أي موقف، ولو ظاهرياً، يستعدي دول الخليج العربية وإسرائيل والولايات المتحدة معاً. حتى وإن كان ذلك التوافق بين الأطراف الثلاثة مؤقتاً لظروف الحرب، ورغم أن العلاقة الثلاثية مشوبة بثغرات كشفتها مُجريات الحرب الجارية. فضلاً عن أن دول الخليج العربية ليست في الواقع طرفاً واحداً في تلك العلاقة، حيث لكل منها حساباتها الخاصة المتباينة، سواء تجاه واشنطن أو تل أبيب.

القاهرة الرسمية في مأزق حقيقي في المفاضلة العملية بين الوقوف إلى جانب الدول الخليجية والعربية التي تتعرّض لهجمات إيرانية متواصلة، ومساندة طهران أمام عدوان أميركي إسرائيلي تعلم مصر أنه مُتعمد ويهدف إلى تكريس طغيان إسرائيل وجموحها الإقليمي. وليس الموقف العلني المناوئ لطهران، إلا للاستهلاك الإعلامي وتجنب استفزاز الخليج وواشنطن وتل أبيب. ولعل من حُسن حظ مصر أنها خارج نطاق الاستهدافات العسكرية؛ ما يجنّبها الاضطرار إلى اتخاذ موقف عملي أو تحرّك عملياتي مع أي طرف أو ضده. لكن سؤال المستقبل جدير بأن يشغل دوائر القرار في مصر عاجلاً غير آجل. فأي ما كانت مآلات تلك الحرب، طالت أو قصرت، ستفرض تداعياتها على دول المنطقة حسم خياراتها، ورسم حدود واضحة لتحالفاتها وخطوط فاصلة لعداواتها.