العدد1719 /10-6-2026
سامر خير أحمد
لافتٌ أن يذهب الرئيس
الصيني شي جين بينغ إلى كوريا الشمالية بعد لقاءين جمعاه بالرئيسين الأميركي
والروسي في بكين أخيراً. لكنّ أهمية الزيارة لا تنحصر في هذا التوقيت، بل في أنّها
تدشّن عهداً جديداً في العلاقة بين البلدَين الجارَين الشيوعيَّين، إذ تؤشّر
الزيارة إلى أنّ بكين قرّرت الخروج عن سياستها التقليدية القائمة على الإبقاء على
مسافة محسوبة من جارتها الشيوعية، تجنّباً للتورّط في تبعات مغامراتها النووية
والصاروخية، إلى سياسة جديدة قوامها الاحتضان السياسي العلني والإمساك بزمام
العلاقة قبل أن تتفلت كلّياً نحو موسكو. والمعنى أنّ شي ذهب إلى كيم لا ليؤسّس
تحالفاً جديداً، بل ليستعيد علاقة ظلّت بكين، عن قصد، تتركها في منطقة الظلّ.
غير أنّ
الإعلام الغربي يصرّ على تقديم الزيارة ردّاً صينياً مباشراً على التقارب الروسي
مع كوريا الشمالية، الذي تعمّق منذ اشتعال الحرب على أوكرانيا، حين باتت موسكو
تتزوّد بالجنود والذخائر من بيونغ يانغ، مقابل ما يقدّمه فلاديمير بوتين لكيم جونغ
أون من النفط والغذاء والتكنولوجيا العسكرية. هذه القراءة، على ما تنطوي عليه من
جانب من الحقيقة، تظلّ قاصرة، فهي تتعامل مع السياسة الصينية كأنّها مجرّد ردّات
فعل على ما يحيط بها، بينما الصين تتحرّك وفق منطقها الاستراتيجي الخاصّ الذي يضع
المسائل في سياقاتها الأبعد، ولا يتأثّر بسهولة بتحرّكات الآخرين، حتى لو كانوا من
الشركاء الكبار مثل موسكو. والأرجح أنّ بكين، التي قبلت لسنوات طويلة أن تترك
مساحةً لروسيا في بيونغ يانغ لاعتبارات تخصّ حرب أوكرانيا، تدرك اليوم أنّ ترك تلك
المساحة تتمدّد سيقود إلى أن تتقاسم موسكو وبيونغ يانغ أدواراً قد تُخرج المسألة
الكورية من حساباتها.
في هذا السياق،
من المهم استعادة كيف ظلّت الصين تنظر إلى كوريا الشمالية على مدى عقد. لم تكن
العلاقة بينهما يوماً علاقة تحالف عاطفي، على الرغم من رواية "الجارَين
الصديقَين" التي تُساق في خطاب البلدَين الرسمي، بل ظلّت في جوهرها علاقة
مصلحة استراتيجية باردة؛ الصين تحتاج كوريا الشمالية حاجزاً جغرافياً يمنع توسّع
النفوذ الأميركي في شبه الجزيرة الكورية حتى حدودها، وكوريا الشمالية تحتاج الصين
رئةً اقتصاديةً تتنفّس منها وسط الحصار الدولي. لكن هذه الصيغة، التي خدمت
الطرفَين منذ نهاية الحرب الباردة، اختلّت في السنوات الماضية لصالح ظهور لاعب
ثالث، هو روسيا، التي وجدت في كوريا الشمالية مدداً لحربها على أوكرانيا، ووجدت
كوريا الشمالية في روسيا منفذاً جديداً يخفّف عنها ضغط الاعتماد الحصري على الصين.
وهذا بالضبط ما
تريد بكين أن تتداركه اليوم، فهي لا تخشى من روسيا قوّةً منافسةً في الجوار، إذ
تربطها بها شراكة استراتيجية متينة، بل تخشى من اختلال التوازن الذي بنته عبر عقود
في علاقتها بالرئيس كيم، وهو توازن كان يقوم على قاعدة بسيطة قوامها أنّ الطرف
الذي يحتاج الآخر أكثر هو الطرف الذي تُملى عليه شروط العلاقة. واليوم، حين تصبح
موسكو قادرةً على تقديم ما تقدّمه بكين من دعم اقتصادي، يصير كيم أقلّ اعتماداً
على الصين، وأقلّ خضوعاً لرغباتها في كبح طموحاته النووية والصاروخية، وهو ما يعني
عملياً أنّ العلاقة ستفقد قيمتها الردعية بالنسبة لبكين، التي تحرص دائماً على
ألّا يتحوّل برنامج كيم العسكري إلى ذريعة جديدة للولايات المتحدة وحلفائها في
كوريا الجنوبية واليابان لتعزيز وجودها العسكري في الجوار الصيني المباشر. لذا
يبدو أنّ أهم ما في زيارة الرئيس الصيني هذه، تذكير كيم بأنّ المسافة الجغرافية
والمصالح الاقتصادية تربط بلاده بالصين أكثر ممّا تربطها بأيّ قوّة بعيدة، وأنّ ما
تقدّمه له موسكو حالياً مرتبط بظرف عابر اسمه الحرب على أوكرانيا، خصوصاً أنّ
زيارته تأتي بمناسبة الذكرى الـ65 لتوقيع معاهدة الصداقة والتعاون والمساعدة
المتبادلة بين البلدَين عام 1961، التي ما زالت تُعدّ المعاهدة العسكرية الوحيدة
التي وقّعتها الصين الشعبية مع دولة أخرى، كما لو أنّه يقول إنّ العلاقة بين
البلدَين لا تخضع لمستجدّات السياسة بقدر ما تنبني على ميراث استراتيجي راسخ.
... هل
ستنجح بكين في إعادة ضبط البوصلة بسهولة؟ ثمّة إشارة لافتة سبقت زيارة الرئيس شي
بأيّام قليلة، حين أعلنت شقيقة كيم جونغ أون أنّ البرنامج النووي الكوري الشمالي
لا رجوع عنه، في رسالة بدت مقصودةً لإخراج الملفّ النووي من قائمة ما يمكن للصين
أن تطلبه خلال الزيارة، وكأنّ بيونغ يانغ تقول لضيفها الكبير: نحن مستعدّون لإعادة
تثبيت العلاقة معك، لكن وفق شروطنا لا شروطك. وقد سبق ذلك أمرٌ من كيم ببناء
مدمّرة بحرية تزن عشرة آلاف طن، هي الأكبر في تاريخ بحرية كوريا الشمالية، في
رسالة تصبّ في المعنى نفسه. هذا يعني أنّ بيونغ يانغ تجاوزت مرحلة كانت فيها
تتلقّى الإملاءات الصينية بصمت، وأنّها اليوم تحمل جدول أعمالها الخاصّ، الذي قد
يتعارض في كثير من تفاصيله مع ما تريده بكين، خصوصاً ما يتعلّق بمواصلة برنامجها
النووي وامتلاكها قدرات عسكرية متقدّمة لا تحتاج فيها إلى استئذان أحد، ولا حتّى
من حليفها الأكبر.
أمّا اختيار
التوقيت، فلا يمكن فصله عن قراءة بكين للحظة الاستراتيجية الراهنة. فالصين تتحرّك
اليوم وهي تشعر بفسحة لم يتحها لها الرئيس الأميركي السابق جو بايدن، الذي بنى
استراتيجية أمنه القومي على فكرة "الردع المتكامل" التي تحاصر الصين
بحلقة من التحالفات في شرق آسيا. ذلك أنّ إدارة ترامب تخلّت عن تلك المقاربة لصالح
اعتبار الصين خصماً تجارياً لا عدوّاً قيميّاً، وهو تحوّل تفهمه بكين على أنّه إذن
غير معلن بإعادة ترتيب فضائها الإقليمي من دون أن يُفسَّر ذلك بوصفه استفزازاً
مباشراً لواشنطن. لذا فإنّ قمّة شي وكيم في بيونغ يانغ هي، من زاوية ثانية، اختبار
لحدود تلك الفسحة الجديدة، ولمدى استعداد إدارة ترامب لتجاهل تحرّكات الصين في
محيطها الإقليمي ما دامت لا تهدّد المصالح الأميركية المباشرة في التجارة والتكنولوجيا.