العدد 1711 /15-4-2026
توازياً
مع ميدان معركة الجيشين الروسي والأوكراني، يدور صراع حول سردية أعداد القتلى
وحقيقة الخسائر التي مُني بها الطرفان، خاصة بعد تطور النزاع إلى حرب المسيرات
وتداعياتها على أرقام الجرحى في مقابل الصرعى.
- في كسر للتابوهات، أجرى المدون الحربي الروسي الأكثر شهرة على
تطبيق "تليغرام" يوري بودولياكا (2.8 مليون متابع)، تقديرا لعدد القتلى
في صفوف جيش بلاده منذ بدء الحرب على أوكرانيا في عام 2022، مستندا في منهجيته إلى
المعطيات الرسمية واحتساب الفروق بين أعداد الأفراد وقت بدء الحرب وأعداد
المتعاقدين مع الجيش في السنوات الأخيرة مقارنة مع بيانات الموجودين على الجبهة
حاليا، ما شكل سابقة بعد أن كان تداول مثل هذه التقديرات يقتصر على وسائل الإعلام
الأجنبية وأخرى روسية معارضة تبث من الخارج.
تفصيليا
قدر بودولياكا عدد المشاركين في العملية العسكرية الروسية معتمدا على الأرقام
المعلنة رسميا بما بين 2.027 و2.047 مليون فرد، بمن فيهم الأفراد المتعاقدون ومن
تمت تعبئتهم في خريف عام 2022، والمتطوعون والسجناء والمقاتلون الأجانب وأفراد
شركة فاغنر العسكرية الخاصة سابقا. كما حصر الخسائر في صفوف القوات الروسية بـ820
ألف فرد قتلى وجرحى ومفقودين، وافترض في مقطع مصور نشره بتاريخ التاسع من يناير/
كانون الثاني 2026، أن ما بين 30% و42% منهم قتلى، مرجعا ذلك إلى أن نسبة الخسائر
في عامي 2022 و2023 كانت تبلغ ما بين خمسة وستة جرحى في موازاة كل قتيل، ولكن نسبة
القتلى ازدادت بعد تحول النزاع إلى حرب المسيرات إلى حد أن عدد الجرحى بات يقابله
العدد نفسه من القتلى في بعض الأحيان، وفق تقديره. وخلص إلى أن عدد القتلى في صفوف
القوات الروسية شاملة وحدات "جمهوريتي دونيتسك ولوغانسك الشعبيتين"
اللتين ضمتهما موسكو في عام 2022، قد يراوح بين 315 و415 ألف قتيل، مشيرا إلى أن
التفاوت الكبير في الحدين الأدنى والأقصى للضحايا يعود إلى صعوبة إجراء تقييم دقيق
لحصتي القتلى والجرحى من بين إجمالي الخسائر.
على
غير المتوقع، فاقت تقديرات بودولياكا حتى أرقام وسائل الإعلام المعارضة التي تستند
في منهجيتها إلى إحصاء منشورات نعي العسكريين الروس عبر مواقع التواصل الاجتماعي
وتعتمد على تقنيات استخبارات المصادر المفتوحة (OSINT)، ومن بينها رصد يقوم بتحديثه موقع ميديازونا الحقوقي المعارض
بالتعاون مع هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي"، ويقدر عدد القتلى بنحو
203 قتلى تم التحقق من أسمائهم بحلول مارس/ آذار 2026. بينما تعتمد دراسات أخرى
رصدها معد التحقيق على مؤشرات إحصائية ذات دلالة مثل تزايد الوفيات المبكرة بين
الذكور والزيادة في عدد قضايا تقاسم التركة أمام المحاكم. ومن بينها واحدة لموقع
ميديازونا وصحيفة ميدوزا المعارضة المسجلة في الخارج.
وقدّرت
الدراسة عدد القتلى في صفوف القوات الروسية في أوكرانيا بنحو 220 ألفا حتى أغسطس/
آب 2025، عبر مؤشرات تستند إلى بيانات الزيادة في قضايا الإرث والتركة للموتى بين
الذكور بين الـ18 والـ55 عاما من العمر.
تحت
طائلة المسؤولية
لم
تلاق تقديرات بودولياكا تأكيدا أو نفيا روسيا رسميا، ولكن تداول الموضوع من قبل
مدون داعم للحرب في أوكرانيا دفع إلى الواجهة واحدة من القضايا الأكثر حساسية
أثناء الحرب، إذ لم تكشف وزارة الدفاع الروسية منذ
سبتمبر/ أيلول 2022 بشكل رسمي عن عدد الضحايا في صفوف القوات الروسية في أوكرانيا،
حين تم الإعلان عن مقتل حوالي ستة آلاف فرد من دون صدور أي بيانات رسمية أخرى منذ
ذلك الحين.
على
المقلب الآخر، لا يتردد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في الكشف في كل ذكرى
سنوية لبدء الحرب عن تقديراته لأعداد القتلى في صفوف الجيش الأوكراني، وكان آخرها
في فبراير/ شباط الماضي، حين أقر بمقتل 55 ألفا من أفراد الجيش الأوكراني، وهو رقم
شكك في مصداقيته خبراء روس تواصل معهم معد التحقيق، وكان لافتا أنهم أحجموا عن
التعليق على أعداد القتلى في صفوف الجيش الروسي بحجة الالتزام بالقوانين التي تحظر
تداول "أخبار كاذبة" حول الجيش تحت طائلة المسؤولية الجنائية.
وفي
موقف متقدم، يشكك الباحث الأوكراني في التاريخ المعاصر، أستاذ التاريخ في جامعة
"ماريا كوري سكلودوفسكا" في مدينة لوبلين البولندية غيورغي كاسيانوف، في
دقة الأرقام المعلنة لأعداد الضحايا في الجيشين الروسي والأوكراني على حد سواء،
معتبرا في الوقت نفسه أن خسائر القوات الروسية تفوق الخسائر الأوكرانية بمقدار
الضعف، مرجعا ذلك إلى أن الطرف المهاجم يتكبد خسائر أكبر من الطرف المدافع، وفقا
لما استقرت عليه العلوم والنظريات العسكرية.