العدد1718 /3-6-2026
يتتبع التحقيق مصير مليشيا فاطميون الأفغانية التي شاركت في
الدفاع عن النظام السوري الساقط، ويوثق كواليس الأيام الأخيرة، وماذا حصل مع من
هربوا إلى إيران وسبب عودتهم مرة ثانية إلى أفغانستان التي بدورها تترصدهم.
- عقب التهاوي السريع لمواقع جيش النظام السوري الساقط في
ديسمبر/كانون الأول 2024، رمى المقاتل الأفغاني شيخ علي حسين بندقيته وراح فزعا،
يبحث عن طريقة للنجاة من الموت الذي كان يقترب منه، كما وقع لآخرين من أبناء بلده
ممن قاتلوا إلى جانب نظام بشار الأسد تحت لواء ما يعرف بـ"مليشيا
فاطميون" التي انخرطت في الحرب إلى جانب حزب الله اللبناني والقوات
الإيرانية.
كان وقتا عصيبا، هكذا وصف حسين تلك الأيام ذاكراً أنه ورفاقه
تركوا موقعهم العسكري في منطقة خان طومان بريف حلب، واتجهوا إلى مدينة دمشق عملا
بتوجيهات قيادتهم لترتيب هروبهم إلى إيران، غير أن الطريق لم يكن آمنا، بحسب ما
جاء في تفاصيل شهادته على الأيام الأخيرة للمليشيا الأفغانية في سورية، ومع هذا
"نجونا بأعجوبة من الكمائن المتعددة على طول الطريق" يضيف الشاب
الثلاثيني، مشيرا إلى نقلهم من هناك إلى قاعدة عسكرية روسية قبل يوم واحد من سقوط
النظام، و"منها غادرنا البلاد عبر الطائرة".
وفي حين حظي بعض المقاتلين بفرصة المغادرة المباشرة بالجو
برفقة قوات الحرس الثوري الإيراني، اضطر بعضهم إلى خوض رحلة هروب برية إلى العراق
المجاور أو لحقوا بقوات حزب الله في لبنان، بحسب ما يوثقه تقرير "ماذا حدث
لوكلاء إيران في سورية"؟ الصادر في 14 ديسمبر 2024، عن المركز الأوروبي
لدراسات مكافحة الإرهاب والإستخبارات (بحثي مستقل في ألمانيا).
عقب تدهور الوضع الميداني صدرت أوامر للقوات المتحالفة مع
جيش الأسد بالانسحاب التدريجي نحو دمشق وعلى شكل مجموعات صغيرة تضم الواحدة منها
اثني عشر مقاتلاً، غير أن الطريق إلى العاصمة لم تكن آمنة، ما اضطر بعض المقاتلين
إلى تجنب المسارات الرئيسية بالاعتماد على معارف من السوريين، وبالفعل تمكنوا من
الوصول إلى نقاط عسكرية ولوجستية في دمشق وريفها أدارها واستخدمها الجيش الروسي،
ومن بين هؤلاء 150 أفغانيا كان حسين بصحبتهم وجرى إجلاؤهم إلى إيران بعد عملية
أدارها ضابط من فيلق القدس، كما يروي لـ"العربي الجديد" مضيفا: "من
تعثر في الوصول إلى دمشق، قُتل أو فُقد، ولا نعلم عنهم شيئا".
وتتقاطع رواية حسين مع إفادة أحد مسؤولي التنسيق بين
المقاتلين الأفغان وفيلق القدس، ويدعى علي رحيمي سيغاني، وأجلته الطائرات الروسية
برفقة 80 مقاتلا أفغانيا وبمعية ضباط من فيلق القدس وجرحى إيرانيين، كما روى مشيرا
إلى أن عدد المقاتلين الأفغان في سورية بلغ في ذروته 20 ألف عنصر خلال عام 2023،
لكن قُتل الكثيرون منهم، نظرا إلى أنهم كانوا في صدارة الخطوط الأمامية، ومن
ورائهم عناصر فيلق القدس وحزب الله وجيش الأسد.
والمؤسف، كما يقول سيغاني، أن مقاتلين أفغاناً قتلوا على يد
حلفائهم من الإيرانيين وعناصر حزب الله وجيش النظام، لدى محاولاتهم الفرار مع
اشتداد المعارك كما فقد الكثيرون، ومن بينهم الشاب مرتضى حسن، بحسب إفادة عمه،
الذي سافر إلى إيران لمعرفة مصير ابن أخيه وزوج ابنته، كما يقول: "حاولت
التواصل مع ضباط فيلق القدس ومع عناصر وضباط أفغان للسؤال عن ابن أخي، فأخبروني
أنه لم يكن مع المغادرين من حلب بعد خسارة نظام الأسد لها، وأعداد المفقودين هناك .
لدى وصوله إلى إيران أصيب شيخ علي حسين بخيبة أمل كبيرة، إذ
رفضت السلطات منحه إقامة مؤقتة لمدة سنة واحدة قابلة للتجديد تحت ذريعة عدم حصوله
على توصية من قبل قائده الميداني أثناء المواجهات العسكرية في سورية، كما يقول.
وليس هذا فحسب فقد خضع المقاتلون الأفغان لعمليات تدقيق أمني
واسعة لا تتفق مع تضحياتهم من أجل طهران، وجرى الاعتماد على شهادات من قادة
المجموعات العسكرية التي خدم فيها المقاتلون حول ما إذا كانوا يستحقون تعديل وضع
إقاماتهم أم لا، لتُرفع أوراق المحظوظين لاحقاً إلى الجهات الرسمية بحسب حسين الذي
قال: "رغم الوعود بالحصول على إقامة طويلة الأمد لاحقاً، إلا أن معظم
المقاتلين وجدوا تجاهلا من السلطات، ولم تُقدم لهم تفسيرات توضح سبب ذلك".
ويعني عدم الحصول على الإقامة الحرمان من التعويضات المالية
وسوء الوضع القانوني واحتمال الترحيل، وبالتالي العودة إلى الهشاشة الاقتصادية
التي بسببها ترك الأفغان بلادهم وذهبوا للقتال في سورية، وفق إفادة كل من سيغاني
والمقاتل فرهاد حسني، الذي أمضى عاما واحدا في سورية قائلا: "كنت من بين من
غادروا دمشق قبل ثلاثة أيام من سقوط النظام، ولما وصلنا إلى طهران راودتنا أمنيات
بالحصول على تعويضات مالية وتسهيلات إدارية لكوننا خدمنا الجمهورية الإسلامية، لكن
كل ذلك كان سرابا، فبمجرد نزولنا من الطائرة وخروجنا من المطار وجدنا أنفسنا غرباء
في طهران وبعد أسبوع من الوصول، تلقيت اتصالا من أحد الضباط في فيلق القدس أخبرني
فيه بعدم التحدث حول كل ما يتعلق بعملهم والقتال في سورية، مثل أماكن التدريب
وأسماء الشخصيات الإيرانية الذين عملت معهم في سورية، وعدم التحدث عن أي شيء مما
كابدناه خلال الأيام الأخيرة".
لكن يبقى أن وضع العائدين من القتال في سورية يظل، على سوئه،
أفضل من وضع اللاجئين الأفغان، وفق مصادر التحقيق، ومنهم حسني الذي لا يعرف حتى
الآن ما هي الخطط المستقبلية للواء فاطميون الذي سبق وأن زادت أعداد منتسبيه حتى
صار فرقة، لافتا إلى أن مقاتلين لا يزالون في إيران ولا يعلمون هل سيزج بهم في
معارك مقبلة أم لا.
ما يتوقعه حسني وسيغاني، يؤكده تقرير "مكافحة الإرهاب ـ
واقع الجماعات المسلحة الموالية لإيران في العراق وسوريا بعد سقوط نظام بشار
الأسد"، الصادر عن المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والإستخبارات، في
18 فبراير/شباط 2025. وبحسب ما جاء في التقرير "فإنه بعد مغادرة لواء فاطميون
سورية، ربما تلجأ طهران لإعادة توظيفهم في نزاعات إقليمية أخرى، لدعم وكلائها،
ولذلك تهتم بأن يكون من بقي منهم في حالة تأهب لاستعادة نفوذها وفعالياتها
تدريجياً".
"على كل، صحيح أن المقاتلين الموجودين حتى اليوم في إيران لهم
علاقات وثيقة بقادة في لواء الفاطميين، لكنني لا أعرف إن كان بعضهم قد تلقى أوامر
عسكرية جديدة أم لا. ما أعرفه جيداً أنهم لم يستلموا رواتبهم التي وُعدوا بها
ويعانون شظف العيش، ومن عاد إلى أفغانستان يعاني أكثر، ويبحث عن أي عمل متاح
لإنقاذ أطفاله من الجوع"، يقول سيغاني.
ولحشد مقاتلين في سورية، "استخدم الحرس الثوري الإيراني
مزيجاً من الحوافز والإكراه لتجنيد اللاجئين والمهاجرين الأفغان. وعُرضت أموال على
غير الحاصلين على وثائق ووعدوا بتسوية وضعهم القانوني. كما أُخرج بعض المجندين من السجون ووعدوا بمحو
سجلاتهم الجنائية إذا انضموا إلى لواء فاطميون"، وفق تقرير "ماذا حدث
لوكلاء إيران في سورية"؟. "لكن كانت تلك حالات نادرة، ربما اثنتان أو
ثلاث" بحسب ما تابعه الشيخ الأفغاني محمد حسني بامياني، الذي تحدث عن دوافع
تجنيد الغالبة قائلا: "الأكثرية ذهبوا من أجل الحصول على العمل والراتب
والإقامة الدائمة لأسرهم، والبعض، كانوا من المدارس الدينية في إيران، وذهبوا على
أساس الدفاع عن المقدسات وجُنّدوا من قبل علماء الدين، وهم من كان يجرى تعيينهم في
معظم الأحيان لقيادة الفاطميين".
تقول السيدة الأفغانية زينب مرتضوى إن "فيلق القدس دمر
حياة آلاف الأفغان ومن بينهم زوجها"، وتتابع :"في النهاية قتل من قتل،
ومن عاد، فإنه يعيش حياة بائسة في بلاده".
وخلال الأعوام 2014 و2015 و2016، قتل 15 ألف أفغاني كلهم من
أبناء إثنية الهزارة الأفغانية (ثالث مجموعة عرقية في البلاد)، حسب سيغاني، الذي
قال:" كان قاسم سليماني نفسه يشرف على عملية تجنيد الأفغان ونقلهم إلى سورية،
وقاتلوا في حلب ودير الزور، وحمص، ودرعا واللاذقية وحماة، وبوكمال، لكن قبل أشهر
من سقوط النظام، تركز معظمهم في حلب وحماه ودمشق".
في النهاية وجراء سوء الأحوال والمعاناة، عاد بعض المقاتلين
الأفغان إلى بلادهم بعد أشهر قليلة من البقاء في إيران، وفق إفادات حسن وسيغاني
وحسين، فيما يقول الأخير إنه يعمل حاليا في متجر لبيع الأخشاب، لكنه لا يستطيع
القيام بكل مهامه اليومية بشكل طبيعي، بسبب آلام جرّاء إصابة بالظهر تعرض لها خلال
المعارك، ما يحدّ من قدرته على العمل وتأمين احتياجات أسرته بشكل كاف.
وعن سبب مغادرتهم إيران، تروي زينب قصة ما حدث معهم في إيران
بمرارة:" داهم عناصر من الأمن الإيراني منزلنا في يناير/كانون الثاني 2025،
دون أن نعرف سبب ذلك، وفتشوا البيت، وصادروا سلاح زوجي الشخصي، واقتادوه معهم
ليحتجز 48 ساعة، ثم أطلقوا سراحه، وهو ما جعلنا حينها نقرر العودة إلى
بلادنا".
الحالات السابقة رصدتها حكومة أفغانستان كما يقول مصدر في
جهاز الإستخبارات الأفغاني اشترط عدم الكشف عن هويته حتى يوافق على الحديث، مضيفا:
"لدينا قسم خاص معني بشؤون الجماعات الأفغانية في الخارج وتحديدا، التي قد
تشكل خطرا أمنيا على البلاد، مثل مقاتلي لواء فاطميون، ورصدنا عودة المئات منهم،
لذا أقمنا حلقة اتصال نشطة مع قيادات دينية من الهزارة لضبط أحوالهم، وعقب التأكد
من حقيقة نياتهم وخططهم المقبلة منحناهم الآمان".