العدد1718 /3-6-2026

أثار الكشف عن تسجيلات مصوّرة تُظهر إعدام أطفال الطبيبة السورية رانيا العباسي صدمة وحزناً، وأعاد إلى الواجهة واحدة من أكثر قضايا الاختفاء القسري إيلاماً في البلاد، بعد أكثر من 13 عاماً على اختفاء العائلة، فيما استحضر وجع عائلات مفقودي سورية التي ما زالت تنتظر ولو معلومة واحدة مؤكدة عن مصير أبنائها مهما كان.

وتُعَدّ قضية رانيا العباسي وأطفالها الستة من أبرز ملفات المفقودين في سورية التي تنتظر خاتمةً. ففي مارس/ آذار من عام 2013، اعتُقل زوج الطبية السورية عبد الرحمن ياسين من منزل العائلة في مشروع دمّر بدمشق، قبل أن تُعتقل بدورها بعد أيام مع أطفالهما؛ ديمة وانتصار ونجاح وآلاء وأحمد وليان. يُذكر أنّ أخبار العائلة انقطعت منذ ذلك الحين، وتحوّلت قضيتها إلى رمز لمعاناة آلاف العائلات السورية الباحثة عن أبنائها.

وكتبت نائلة العباسي، شقيقة رانيا، في تدوينة نشرتها اليوم الأحد على موقع فيسبوك: "اليوم يوم صعب جداً وقاسٍ.. وأعلم أنه قاسٍ على كلّ سورية وأستطيع رؤية الغضب في قلوب كلّ السوريين الشرفاء وليس فقط في قلوبنا". وأوضحت أنّها تمكّنت، مع شقيقها حسان، من التعرّف إلى الأطفال الستّة، وبالتالي التأكّد من مصيرهم بعد سنوات طويلة من الانتظار والترقّب.

أضافت شقيقة رانيا العباسي أنّ تصفية الأطفال الستّة أتت بعد ساعات قليلة من اعتقالهم، مشيرةً إلى أنّ صوت أمجد يوسف سُمع في التسجيلات. وأوضحت "شاهدنا شريطاً بلاستيكياً أسود حول رقاب معظمهم (الأطفال) وسمعنا صوت أمجد يوسف وهو الذي يصوّرهم ويقول: هدون (هؤلاء) فداء لروح الشهيد نعيم اليوسف". وتساءلت عن السبب وراء بقاء التسجيلات مخفيّة؛ "لماذا تمّ إخفاء الفيديو كلّ هذه السنين؟" و"من أين حصلوا على الفيديو؟"، قبل أن تضيف "لا جواب لديّ للأسف". ولم يفت نائلة شكر كلّ من تضامن مع العائلة ووقف إلى جانبها، في خلال سنوات البحث الطويلة.

من جهته، قال حسان العباسي، شقيق رانيا، إنّ "القضية لا تتعلّق بشخص واحد فقط، بل بمسار كامل لا بدّ من أنّ يقود إلى كشف الحقيقة ومحاسبة جميع المتورّطين". وطالب بـ"الكشف عن المعلومات المتعلقة بعموم الأطفال المغيّبين وحماية مواقع الجرائم المحتملة والرفات"، مؤكداً أنّ "آلاف العائلات السورية ما زالت تنتظر معرفة مصير أبنائها وأقاربها المفقودين".

وأعاد كشف مصير أطفال رانيا العباسي مشاعر القلق والانتظار، التي تعيشها آلاف العائلات السورية التي ما زالت تجهل مصير أبنائها المفقودين، إلى الواجهة. وقد استعاد كثيرون من أهالي المفقودين قصص اختفاء أقاربهم، وطالبوا مع سوريين آخرين بجعل ملفّ المفقودين أولوية.

وعبّر كثيرون، على مواقع التواصل الاجتماعي، عن حزنهم وغضبهم بعد أخبار الكشف عن مصير الأطفال الستّة، إذ رأوا أنّ القضية لا تخصّ عائلة رانيا العباسي وحدها، بل تمثّل جزءاً من معاناة عشرات آلاف العائلات التي ما زالت تترقّب أبناءها المفقودين. وكتبت ياسمين مرعي أنّ ما كُشف عنه بخصوص أطفال رانيا العباسي يعكس جانباً من حجم الانتهاكات التي تعرّض لها السوريون في خلال السنوات الماضية، مشيرةً إلى أنّ آلاف العائلات ما زالت تعيش انتظاراً مشابهاً لما عاشته عائلة العباسي، أملاً بمعرفة مصير أحبّائها، حتى وإن جاءت الحقيقة قاسية ومؤلمة.

في سياق متصل، رأى حقوقيون أنّ هذه القضية تعيد تسليط الضوء على مصير آلاف الأطفال الذين اختفوا خلال سنوات النزاع في سورية. وقال مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان فضل عبد الغني لـ"العربي الجديد" إنّ "قضية أطفال رانيا العباسي تجسّد نمطاً متكرراً من الانتهاكات التي وثّقتها الشبكة على مدى سنوات، متمثّلا في الاعتقال ثمّ الاختفاء القسري وصولاً إلى القتل وإخفاء الرفات". أضاف أنّ الشبكة أحصت "مقتل ما لا يقلّ عن 30 ألفاً و686 طفلاً في سورية منذ عام 2011 وحتى نهاية عام 2025، في حين أنّ 5,359 طفلاً ما زالوا في عداد المعتقلين أو المختفين قسراً لدى مختلف الأطراف، من بينهم 3,736 طفلاً اختفوا على يد قوات النظام السابق".

بدوره، قال المحامي عبد الله الرشيد لـ"العربي الجديد" إنّ "ما كُشف عن مصير أطفال رانيا العباسي مثّل صدمة إنسانية كبيرة للسوريين، لأنّه يتعلّق بأطفال كانوا في عمر يُفترض فيه أن يُحاطوا بالحماية والرعاية". أضاف أنّ "كشف الحقيقة مهما تأخّر يبقى حقاً أساسياً لعائلات الضحايا، كذلك فإنّ محاسبة المسؤولين عن الجرائم المرتكبة بحقّ الأطفال تأتي في سياق إنصاف العائلات التي عاشت سنوات طويلة من الانتظار وعدم اليقين".

كذلك شدّد المحامي غزوان قرنفل لـ"العربي الجديد" على أنّ "إنصاف الضحايا وذويهم لا يتحقّق إلا عبر محاسبة من استباحوا دم السوريين، وفقاً لإجراءات قانونية عادلة بعيدة عن أيّ اصطفافات طائفية أو عشائرية أو سياسية". بالنسبة إليه فإنّ "العدالة هي المدخل الطبيعي للاستقرار، وهي السبيل الوحيد لنقل المجتمع السوري من ضفة الاحتراب إلى ضفة السلامة الوطنية، شريطة وجود خريطة طريق واضحة، لا أن يكون الأمر مجرّد اختبارات مؤقّتة أو ردات فعل آنيّة".