العدد 1447 /3-2-2021

الأمة العربية والأمة التركية والأمة الفارسية أمم معتبرة، ويحاول الصهاينة أن يدخلوا اليهود ضمن الأمم فيتحدثون عن الأمة اليهودية ومذهبها القومية الصهيونية، فالارتباط بين الهوية الصهيونية واليهود واضح، بحيث أصدروا تشريعا عام 2017، لإنشاء ما أسموه الدولة اليهودية.

فمن حق الفرس أن يكون لهم قومية فارسية، وأن يكون لإيران مشروع إقليمي يمثل فائض القوة عن حاجة الإقليم الوطني، فينساب فائض القوة في الفراغات المجاورة وتشتبك مع القوى التي تشغل الأقاليم التي تعاني الفراغ.

وللأسف تعاني المنطقة العربية من فراغ القوة لأن سكانها ليسوا قادرين على استغلالها وإدارتها وحمايتها وتطويرها، فكان طبيعيا أن ينساب فائض القوة الاستعمارية الصهيونية إلى فلسطين ثم ينطلق المشروع الصهيوني إلى بقية الفراغات في الجسد العربي، وهو يخطط لالتهام هذا الجسد كله ويدفع عنه إيران وتركيا، ولذلك حدث صراع أكبر من التنافس بين المشروعات.

والمشروع الفارسي يرتكز على طاقة الأمة الفارسية وينطلق إلى الفراعات العربية فيصطدم بالمشروع الصهيوني، وكذلك الحال بالنسبة للأمة التركية التي ينطلق منها المشروع التركي.

أما المشروع الصهيوني فينطلق من الخارج ولا يستند إلى أمة يهودية؛ لأن الأمة لا تنسب إلى دين وإنما هو مفهوم اجتماعي لا علاقة له بدين معين، ولذلك فإن طبيعة الصراع بين المشروع الصهيوني الغريب الوافد وبين المشروعين الفارسي والتركي وهما من أصحاب المنطقة ويستندان إلى أمم؛ يتسم بالعنف، خاصة وأن لليهود تاريخا مع الأتراك يتسم بالتآمر ولكن مع الفرس كانوا منسجمين ولكنهم شعروا بالقلق مع الثورة الإسلامية. وكل من إيران وتركيا تدركان أن المشروع الصهيوني دخيل.

والحق أن رفع شعار القومية العربية لم يجد معارضة من القومية الفارسية والتركية، وكان عبد الناصر يعادي إيران الشاه وتركيا العسكرية لسبب واحد هو تحالفهما مع إسرائيل، الوحش المتربص بأطراف الأمة العربية.

وقد تحالفت الدول وليس الأمم مع الدولة الإسرائيلية ومشروعها ضد الأمة العربية؛ لسبب واحد ايضا هو تمكين واشنطن للمشروع الصهيوني في فلسطين، وتجميع التحالفات الإيرانية والتركية مع هذا المشروع لهزيمة الأمة العربية واقتطاع فلسطين منها.

فكان الصراع سياسيا بين عبد الناصر وكل من إيران وتركيا، ولكن صراعه مع المشروع الصهيوني كان صراعا على الوجود العربي وهوية الأمة العربية. فقد أجهد المفكرون العرب أنفسهم في بحث طبيعة الصراع مع إسرائيل؛ هل هو عسكري أم حضاري أم وجودي أم على الهوية؟ وكان واضحا من البداية أن المشروع الصهيوني يستهدف الوجود العربي والهوية العربية وهذا مالا يدركه المتقاربون مع إسرائيل.

ولما فشل العرب في بلورة مشروع عربي يحافظ على الوجود وفلسطين والهوية في مواجهة الوحش الصهيوني وتحالفاته الإقليمية والعالمية، صار الجسد العربي مسرحا لتصارع هذه الدول والمشروعات، ولهذا كان التحالف بين المشروع الصهيوني وبين إيران وتركيا ليس تحالفا منسجما ولكنه تحالف مصلحي بين مشروع أجنبي ودول قائمة في الإقليم.

فلما استحوذ المشروع الصهيوني على الجسد العربي وأربك العقل العربي، ظهر في هذه المرحلة المشروعان الفارسي بعد الثورة الإسلامية والمشروع التركي في عهد العدالة والتنمية.

ولهذا كان الصراع بين المشروعين الإيراني والتركي، وكليهما مشروع إسلامي شيعي وسني، وبين المشروع الصهيوني هو صراع سياسي لا وجودي بين مشروعين من قلب الإقليم وبين مشروع استعماري استيطاني ليحل محل الغرب والأمة العربية، ولذلك وجد المشروعان الإيراني والتركي أنهما أحق بالجسد العربي والأرض العربية من المشروع الاستعماري الوافد الغريب. وكان يتعين على العرب لو خلصت الإرادة العربية الموضوعية التحالف مع إيران وتركيا لدحر العدو الغريب الذي جاء لتخريب المنطقة. وعلى كل حال، فالصراع بين المشروعين والمشروع الصهيوني حورته واشنطن لكي تدفع ببعض الأطراف العربية للتصدي لإيران وتركيا كما يحدث الآن.

فطبيعة الصراع بين إيران وتركيا بمشروعهما مع المشروع الصهيوني كان يفترض أن تتحالف الأمة العربية مع الأمتين الفارسية والتركية، وأن تكون المقاومة أصلا عربية بدعم من إيران وتركيا مع الفارق الوحيد، وهو أن واشنطن تضبط الصراع بين الأتراك والصهاينة ولكنها تصطف مع الصهاينة ضد إيران.

ولذلك، المتصور أن تفضل إيران وتركيا العرب على الصهاينة، ولكن غياب العنصر العربي جعل الجسد العربي ساحة للصراع بين إيران وتركيا ضد المشروع الصهيوني. فهو صراع سياسي على النفوذ والموارد وليس صراعا قوميا.

والحق أن إيران صنعت مقاومة لبنانية لدحر الاحتلال الإسرائيلي لبيروت في إطار الصراع الذي أعلنته إيران الإسلامية ضد المشروع الصهيوني. ولا يعيب حزب الله أن يكون عربيا انتماء وشيعيا طائفة، وأن يدافع عن الهوية العربية للمنطقة ضد مؤامرة إسرائيل لطمس هذه الهوية. كما لا يعيب حزب الله أن يصارع ضد مؤامرة إسرائيل بالتحالف مع إيران التي تدعم الحزب، ما دام أن إسرائيل عدو للعرب وإيران وحزب الله، ولذلك فإن الطبيعة الاستراتيجية للصراع تحتم هزيمة المشروع الصهيوني في سوريا وغيرها.

فهل ينال من حزب الله أن يكون ذراعا لإيران دفاعا عنها ضد العدوان الإسرائيلي الموجه لإيران ولحزب الله وللأمة العربية؟ وليكن واضحا أن علاقة إيران بحزب الله بدأت سياسية ثم طائفية، ثم استراتيجية فهذا يعني التضامن ضد الوحش الإسرائيلي.

ولا مسوغ للسعودية أن تتهم حزب الله بأنه ذراع لإيران ضد المصالح العربية التي تدعي السعودية أنها تدافع عنها، فيجب تفكيك هذه المقولات. فحزب الله عربي لبناني مقاوم لإسرائيل ومنحاز للأمة العربية والهوية العربية، ويجب ألا يعمل على سيادة الهوية الفارسية على حساب الهوية العربية لأنه لا يوجد صراع قومي بين إيران والعرب.

كما أن الصراع بين السنة والشيعة مؤامرة على مكونات المنطقة ومكونات المقاومة العربية أصلا المدعومة إيرانيا ضد إسرائيل. فإن اعتدت إسرائيل على إيران فمن الطبيعي أن يتحالف حزب الله وحماس معها، ويكفي أن إيران هي الوحيدة التي تساعد المقاومة العربية بعد أن تخلى العرب عنها واعتبروا المقاومة إكراما لواشنطن راعية الحكام العرب منظمات إرهابية. فمن حق إيران أن تنتظر رد الجميل والدفاع عن مصادر قوة المقاومة.

إنما يبدأ الخطأ لو أن حزب الله كان أداة لإيران ضد مصالح العرب ولبنان، أما وأن العرب منقسمون حول مؤشر المصلحة العامة فلا تثريب على الحزب أن يلتزم هذا المؤشر دون النظر إلى الأسهم الطائشة.

والحق أن السعودية وبعض دول الخليج تناهض الحزب لسببين الأول: أنه ضد إسرائيل، والثاني: بسبب علاقته بإيران والصراع الخليجي الإيراني نيابة عن واشنطن وإسرائيل.

ومؤشر المصلحة العربية بالنسبة لي هو أن كل ما يحافظ على الأمة وهويتها ويبعد عنها عوامل تهديد وجودها يتصدر الأولوية عندي؛ حتى لو خدم أطرافا أخرى ما دام يخدم المؤشر الذي أحرص عليه.

والخلاصة أن الصراع في المنطقة صراع نفوذ سياسي بين دول وليس بين قوميات أو طوائف، بينما تزعم إسرائيل أنه صراع ديني وقومي حتى تدس فكرة القومية اليهودية وهي الحركة الصهيونية.

عبد الله الأشعل