العدد1723 /8-7-2026

يستعد مجلس الشعب السوري لعقد جلسته الأولى بعد أكثر من عام ونصف العام على سقوط نظام بشار الأسد، عقب أيام من الإعلان عن قائمة المُعيّنين من الرئيس أحمد الشرع، والتي ضمت 70 اسماً، وتزامنت مع إعلان رئيس اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب السوري محمد طه الأحمد عن موعد أولى الجلسات اليوم الاثنين، لكن تم أمس الأحد الإعلان عن تأجيل انطلاق أعمال المجلس إلى موعد يحدد لاحقاً.

ما هي آلية عمل مجلس الشعب السوري؟

رسم الإعلان الدستوري المؤقت، الذي صدر في مارس/آذار 2025، شكل مجلس الشعب السوري الذي لا يجوز عزل أي عضو فيه إلّا "بموافقة ثلثي أعضائه"، إذ "يتمتع عضو مجلس الشعب بالحصانة البرلمانية". وبحسب المادة 26 من الإعلان يتولى مجلس الشعب السوري "السلطة التشريعية حتى اعتماد دستور دائم، وإجراء انتخابات تشريعية جديدة وفقاً له"، على أن تكون "مدة ولاية مجلس الشعب 30 شهراً قابلة للتجديد". وعلى المجلس اختيار رئيس له ونائبين وأمين للسر، في أول اجتماع له عن طريق "الاقتراع السري وبالأغلبية"، على أن يترأس الجلسة الأولى أكبر الأعضاء سناً. ويعد مجلس الشعب السوري "نظامه الداخلي في شهر من أول جلسة له"، محدداً مهامه بـ"اقتراح القوانين وإقرارها، تعديل أو إلغاء القوانين السابقة، والمصادقة على المعاهدات الدولية". كما يقر المجلس الموازنة العامة للدولة، والعفو العام، وعقد جلسات استماع للوزراء، على أن تتخذ قراراته بالأغلبية.

تركيبة مجلس الشعب السوري

تتنوع التركيبة الحالية في مجلس الشعب السوري من حيث التمثيل للمحافظات والفئات. ويضم 206 أعضاء، بين فئة الأعيان والقيادات المجتمعية المتمثلة بشيوخ العشائر والوجهاء المحليين والأكاديميين والكفاءات العملية. ويضم المجلس 136 عضواً منتخباً، مع بقاء ثلاثة مقاعد شاغرة عن محافظة السويداء ومقعد مخصص للنائب المتوفى المنتخب مصطفى كلثوم، الممثل عن منطقة جسر الشغور التابعة لمحافظة إدلب. يضاف إليهم الـ70 المُعيّنون من الشرع، في الأول من يوليو/تموز 2026، بموجب المرسوم رقم 143 لعام 2026. ومن المحاور الرئيسية لعمل المجلس الرقابة على السلطة التنفيذية إلى جانب تمثيله الشعب ودوره في التشريع.

والدور الرقابي أحد أهم أسباب وجود مجلس الشعب السوري في الأصل وفق ما أكد النائب محمد بلعاس كونه يمثل صوت الناس في متابعة أداء الحكومة وتقويم الأخطاء. وقال: "نحن بوصفنا أعضاء مجلس الشعب، وأنا شخصياً، أتطلع لممارسة دور رقابي على المسؤولين يقوم على أساس المساءلة والشفافية، بعيداً عن المجاملة أو التصعيد غير المبرر".

وتوقع بلعاس أن يتم هذا الدور من خلال متابعة الخطط الحكومية والمشاريع، ومناقشة أداء الوزراء، والاستماع إلى شكاوى المواطنين، والتأكد من أن موارد الدولة، وخاصة في الفترة الأولى، تدار بكفاءة عالية، وأن الوعود من الحكومة تتحول إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع. وأضاف: "أرى ألا يكون عملنا معرقلاً للأداء الحكومي، لكنه دعم لنجاح الحكومة وتصويب الأخطاء. نحن في بداية بناء الدولة، ومن الطبيعي وجود أخطاء، لكن ليس من الطبيعي استمرار هذه الأخطاء". وأضاف: "نحن نقوِم عمل الحكومة عند الخطأ، وندعمها عند النجاح".

والأهم في دور المجلس، وفق بلعاس، أن يتحول إلى مؤسسة حقيقية تؤسس لسورية الجديدة ومرحلة تقوم على المحاسبة والشفافية وخدمة الناس، إذ إن سورية بحاجة إلى مؤسسات قوية لا شكلية، كما كان مجلس الشعب السوري سابقاً بيد نظام الأسد. وأكد أن الدولة بحاجة إلى مؤسسات تأخذ دورها في الرقابة والتشريع.

وعن الأفق الذي سيعمل وفقه المجلس، أكد أنه يتمحور حول ترسيخ دولة القانون، مبيناً أن قيم الحرية والكرامة لا يمكن التنازل عنها تحت أي ظرف. وقال بلعاس: "سنعمل على ترسيخ دولة القانون والمؤسسات، وتعزيز الشفافية والمساءلة، وإصدار تشريعات تواكب الحالة السورية". وأشار إلى حساسية الوضع في سورية، حيث البلاد تعيش مرحلة استثنائية مع انطلاق الدورة الأولى للمجلس، بعد اكتمال عدد الأعضاء.

وأشار إلى أن عملية التأسيس لن تكون سهلة، مبيناً أن لدى الشعب صورة نمطية عن المجلس بظل حكم نظام البعث سابقاً قبل سقوطه أنه شكلي وكان مكاناً للتصفيق والتهريج ولم يكن مؤسسة حقيقية. وأوضح: "بالتالي حتى نتخلص من الصورة النمطية لمجلس الشعب، سنعمل على تصحيح العلاقة بين المواطن والدولة، وسورية بحاجة إلى التكاتف قبل كل شيء، وبحاجة إلى مؤسسات حقيقية تعكس الواقع السوري وتعكس رغبة الشعب بأن تكون المؤسسات التشريعية والرقابية حقيقية". وبين بلعاس أنه يطمح كما بقية أعضاء المجلس أن يكون صوت السوريين تحت قبته كونه الأول بعد التحرير في الجمهورية الثالثة، متطلعاً أن يسهم في بناء دولة المؤسسات التي يستحقها السوريين بعد كل التضحيات التي دفعوا ثمنها الكثير.

قياس أداء مجلس الشعب السوري بجودة القوانين

وتمر سورية بمرحلة انتقالية، ما يجعل دور مجلس الشعب السوري الحالي مختلفاً عن دوره في ظل نظام دستوري مستقر، كما أشار المحامي باسل سعيد مانع. وأوضح، لـ"العربي الجديد"، أن دور المجلس الأساسي الحالي يتمثل وفق الإعلان الدستوري في سن القوانين وتعديلها أو إلغائها بما يتوافق مع متطلبات المرحلة، إضافة إلى إقرار الموازنة العامة، والمصادقة على المعاهدات، وإقرار العفو العام، ومناقشة القضايا ذات الصلة باختصاصاته.

وبحكم المرحلة الانتقالية والإعلان الدستوري النافذ، تتركز صلاحيات المجلس، وفق مانع، بصورة أكبر على الوظيفة التشريعية، وهو شريك للسلطة التنفيذية في الوظيفة التشريعية، في حين تتمتع السلطة التنفيذية بصلاحيات أوسع مما هو معمول به في الأنظمة الدستورية المستقرة. أما الأمر الثاني الذي يجدر الحديث عنه وفق مانع فهو حدود الدور الرقابي. وقال: "إذا قرأنا المادة 30 من الإعلان الدستوري، نجد أنها لا تمنح مجلس الشعب أدوات الرقابة البرلمانية التقليدية، مثل طرح الثقة بالحكومة أو حجبها عن وزير، أو الاستجوابات الملزمة التي تترتب عليها مسؤولية سياسية. وتقتصر صلاحياته الرقابية، وفق النص الحالي، على عقد جلسات استماع للوزراء فقط".

وهنا يبرز فرق قانوني مهم كما أشار مانع، فجلسة الاستماع تتيح للوزير عرض سياساته والإجابة عن أسئلة أعضاء المجلس، لكنها لا تمنح مجلس الشعب السوري وسائل دستورية لإلزام الحكومة أو مساءلتها سياسياً، كما هو الحال في البرلمانات ذات الصلاحيات الكاملة. وأضاف: "لذلك، يمكن القول إن مجلس الشعب في المرحلة الانتقالية هو سلطة تشريعية ذات صلاحيات رقابية محدودة، ويعتمد تأثيره في أداء الحكومة على قوة النقاش العام والضغط السياسي أكثر من اعتماده على أدوات دستورية ملزمة".

ورأى مانع أن المرحلة الحالية التي تمر فيها البلاد تفرض مجموعة من الأولويات التشريعية، من أبرزها إصلاح السلطة القضائية وتعزيز استقلال القضاء وتسريع الفصل في القضايا، وتحديث قانون الإدارة المحلية ومنح المحافظات والمجالس المحلية صلاحيات أوسع، وإصدار أو تطوير قوانين الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني. كما تتطلب تحديث قوانين الاستثمار لتوفير بيئة قانونية مستقرة وجاذبة لرؤوس الأموال، وتعزيز تشريعات مكافحة الفساد والإثراء غير المشروع، مع إيجاد آليات رقابة فعالة، إلى جانب معالجة قضايا الملكيات والعقارات، ولا سيما النزاعات المرتبطة بسنوات الحرب، بما في ذلك قانون الإيجارات والتمديد الحكمي، فضلاً عن تحديث القوانين التجارية والمصرفية بما يواكب متطلبات الاقتصاد الحديث.

وأوضح مانع أن من الخطوات المطلوبة بشكل عاجل من مجلس الشعب السوري أيضاً، وضع إطار قانوني للعدالة الانتقالية وجبر الضرر، إذا اتجهت الدولة إلى تبني هذا المسار، ومراجعة القوانين المتعلقة بالحريات العامة والإعلام والعمل الأهلي بما ينسجم مع المرحلة الجديدة، متى توافر التوافق السياسي. وأضاف: "يُنتظر من المجلس مراجعة التشريعات الموروثة من المرحلة السابقة، والإبقاء على ما يزال صالحاً منها، وإلغاء أو تعديل ما لم يعد يتناسب مع الواقع السياسي والاقتصادي الجديد".

وبرأيه "لن يُقاس نجاح مجلس الشعب بعدد القوانين التي يصدرها، وإنما بجودة هذه القوانين ومدى قابليتها للتطبيق وقدرتها على معالجة المشكلات الحقيقية التي تواجه الدولة والمجتمع". واعتبر أن أحد أهم الاختبارات التي تواجه المجلس هو مدى قدرته على استثمار صلاحياته الحالية بأفضل صورة ممكنة، كونه مع محدودية أدوات الرقابة التي يمنحها الإعلان الدستوري، يستطيع أن يجعل جلسات الاستماع أكثر جدية وفاعلية، وأن يعزز الشفافية والنقاش العام حول أداء السلطة التنفيذية.

لا مقارنة مع مرحلة نظام الأسد

بدوره، رأى الأكاديمي والباحث السياسي محمد المصطفى أن مجلس الشعب السوري هو نتاج دولة وليدة قامت على إنهاء حكم نظام الأسد. وشدد، خلال حديثه لـ"العربي الجديد"، على عدم قابلية المقارنة ما بين المجلس بظل حكم نظام الأسد سابقاً، وفي الوقت الحالي، كون نظام الأسد تفرد بصناعة القرار عبر الأجهزة الأمنية والحزب الواحد، منذ لحظة وصول حافظ الأسد للسلطة وحتى سقوط نظام ابنه بشار، دون إتاحة دور حقيقي للمجلس. وفي هذا الصدد رأى المصطفى أن المطلوب هو الارتكاز على قاعدة صلبة في تكوين المجلس، لتكون قاعدته متينة، مضيفاً: "بالتأكيد هناك تفاوت في أفق التوقع حول ما يمكن أن يقدمه هذا المجلس، كما أن قياس الأداء سيستغرق وقتاً، وبناء عليه يمكن الحكم بطريقة واقعية على هذا المجلس ودوره في سورية الجديدة".