العدد1723 /8-7-2026

مع اشتداد حرارة الصيف، لا تملك آلاف العائلات في قطاع غزة سوى شاطئ البحر لقضاء ساعات قليلة تتجاهل فيها قسوة الحياة داخل الخيام ومراكز الإيواء بعد أشهر طويلة من الحرب والنزوح وفقدان كل أماكن الترفيه. لكن ذلك المتنفس ليس آمناً بالكامل، إذ تتقاطع فيه مخاطر نقص المنقذين وعدم توفر معدات الإنقاذ، مع الواقع الأمني الذي يلقي بظلاله على كل تفاصيل الحياة وإمكانية استهداف الاحتلال الإسرائيلي للمصطافين في أي لحظة، ومن دون سابق إنذار.

ورغم مرور أكثر من ثمانية أشهر على إبرام اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، إلا أن الاستهدافات الإسرائيلية لم تتوقف في مختلف مناطق القطاع، بما فيها شاطئ البحر. في حين يتوافد سكان قطاع غزة يومياً إلى البحر لانتزاع ساعات قليلة من الراحة على الشاطئ، أو بحثاً عن لحظة هدوء، بعدما أصبح بالنسبة لكثيرين خياراً لا بديل عنه.

تصطحب الفلسطينية حنين عياش (37 سنة) أطفالها الأربعة من مخيم الشاطئ إلى البحر، محاولة منحهم بعض الفرح الذي فقدوه. تقول لـ"العربي الجديد" إن "حرارة الخيام لا تطاق، ولا نملك أي خيارات للترفيه سوى الجلوس على الشاطئ، والسماح للأطفال بالسباحة. لكن هذه الساعات القليلة لا تخلو من خوف يرافقني باستمرار، إذ أراقبهم داخل المياه بسبب قلة أعداد المنقذين، إلى جانب استمرار الاستهدافات الإسرائيلية".

تمثل قصة حنين نموذجاً لما تعيشه مئات الأمهات اللواتي يجلسن على الرمال وعيونهن تلاحق أطفالهن في المياه، خشية التعرض للغرق. ويؤكد رئيس قسم الواجهة البحرية في بلدية غزة محمود أبو جياب، لـ"العربي الجديد"، أن "موسم الاصطياف بدأ منذ مطلع مايو/أيار الماضي، وجرى تفعيل خدمات الإنقاذ على امتداد الساحل. الإقبال على البحر تزايد في هذا الصيف نتيجة غياب أي متنفس آخر، لكننا نعاني من نقص طواقم الإنقاذ، والعجز يصل إلى 50% مقارنة بما كان عليه قبل الحرب، إذ يعمل في البلدية حالياً نحو 80 منقذاً فقط من أصل 140 نحتاجهم لتغطية الشاطئ".

ويشير أبو جياب إلى أن "العدوان الإسرائيلي دمر معظم البنية التحتية الخاصة بالإنقاذ البحري، فلم تعد هناك أبراج مراقبة، واستبدلت بـ14 نقطة تعمل من داخل خيام بدلاً من 24 نقطة كانت منتشرة على طول الشاطئ، فيما جرى تشغيل برجين قرب منطقة الميناء باعتبارها الأكثر ازدحاماً. المسافة الفاصلة بين نقاط الإنقاذ ارتفعت إلى أكثر من 400 متر، بعدما كانت تتراوح بين 150 و200 متر، الأمر الذي يحد من سرعة استجابة المنقذين عند وقوع أي حادث غرق، وعلى صعيد الإمكانات، تكاد المعدات تكون معدومة، إذ لا يمتلك المنقذون سوى الصفارات، بينما الطوافات، وأبراج المراقبة، ووسائل الإنقاذ الأساسية الأخرى غير متوفرة".

ويتابع: "تتعامل طواقم الإنقاذ يومياً مع ما بين 30 و80 حالة غرق، وسجلت منذ بداية الموسم وفاة واحدة لطفل (خمس سنوات) كان يسبح رفقة والده. تحاول البلدية تخفيف حجم الأزمة عبر توفير نقاط إسعاف بالتنسيق مع وزارة الصحة، إلى جانب وضع رايات تحدد المناطق الآمنة للسباحة، وعلى المواطنين الالتزام بتعليمات المنقذين، وعدم السباحة خارج ساعات دوامهم التي تمتد من الثامنة صباحاً حتى الثامنة مساءً".

من جهته، يقول المنقذ البحري إبراهيم شملخ، الذي يعمل على ساحل مدينة غزة منذ 25 عاماً، إن الموسم الحالي هو الأصعب منذ بداية عمله في الإنقاذ البحري، نتيجة الدمار الكبير الذي طاول البنية التحتية والمعدات ونقص الكوادر البشرية. ويستذكر أنه في مواسم الاصطياف السابقة، كانت أبراج المراقبة تغطي الساحل بالكامل، وكانت فرق الإنقاذ تمتلك أجهزة اتصال ومكبرات صوت وكوادر كافية، بينما يفتقر المنقذون اليوم إلى أبسط مقومات العمل.

ويوضح شملخ أن "غياب أبراج المراقبة أفقد المنقذين القدرة على متابعة حركة المصطافين بصورة دقيقة، وأصبحت الرؤية محدودة، ما يجبرهم على التحرك المستمر تحت أشعة الشمس لساعات طويلة، بينما يقتصر التواصل مع المواطنين على استخدام الصفارات. الإقبال الكبير على البحر بعد انتهاء الامتحانات وارتفاع الحرارة والرطوبة ضاعفا الضغط على فرق الإنقاذ، خصوصاً في المناطق الأكثر ازدحاماً، مثل منطقتي الميناء والشيخ عجلين. يعتمد معظم المنقذين على خبرتهم في تعويض نقص الإمكانات، لكن غياب المعدات الأساسية، وفي مقدمتها الطوافات، يجعل أداء المهمة أكثر خطورة، فضلاً عن استمرار التحديات الأمنية".

بدوره، يؤكد المنقذ البحري أحمد فارس اللحام، من محافظة خانيونس، والذي يعمل منذ أكثر من عشر سنوات، أن شاطئ البحر يشهد هذا الصيف إقبالاً غير مسبوق، بعدما أصبح الملاذ الوحيد للعائلات الهاربة من حرارة الخيام وضغوط الحرب.

ويقول إن "المنقذين يواجهون يومياً أزمة النقص الحاد في وسائل الإنقاذ، إضافة إلى غياب أبراج المراقبة، ما يزيد صعوبات الإنقاذ، ويزيد الضغط النفسي والجسدي على الطواقم التي تعمل لساعات طويلة تحت الشمس. المشكلة تمتد إلى قلة أعداد المنقذين، وضعف الإمكانات المالية، فضلاً عن عدم التزام بعض المصطافين بإرشادات السلامة، ما يؤدي إلى حوادث غرق".

ويطالب المنقذ أحمد اللحام المؤسسات الدولية والجهات الإنسانية المعنية بدعم فرق الإنقاذ البحري في قطاع غزة من خلال توفير المعدات، وإعادة تأهيل أبراج المراقبة، وتحسين ظروف عمل المنقذين، إلى جانب تنفيذ حملات توعية حول إجراءات السلامة.