العدد 1715 /13-5-2026
د. وائل نجم

 

د. وائل نجم

شهدت الأسابيع الأخيرة حراكاً واسعاً ومكثّفاً، خاصة على المستوى النيابي، من أجل إقرار قانون للعفو العام في المجلس النيابي، وذلك بهدف إنهاء مهزلة إيقاف مئات الموقوفين على ذمّة التحقيق من سنوات عديدة ومن دون محاكمات؛ غير أنّ منطق الطائفية من جهة، ومنطق المحاصصة من جهة ثانية، ومنطق الحقد الدفين من جهة ثالثة، ولا أدري إن كان في كلّ هذه وفي غيرها منطق أساساً، أفشل إلى الآن إقرار هذا القانون، ورفْع هذا الظلم والغبن عن الموقوفين، وربما أعاد الأمور إلى المربع الأول، أو ربما أعاد هذا الملف إلى أدراج القضاء والسياسة العرجاء البعيدة كلّ البعد عن إنصاف المواطنين والاعتراف بحقوقهم والمساواة بينهم.

فبعد تفعيل مطلب إقرار قانون للعفو العام لإطلاق مئات الموقوفين، وخاصة "الإسلاميين" من السجون بعد مرور سنوات عديدة عليهم دون محاكمة، أو بعد صدور أحكام بالبراءة للكثيرين منهم ولكن بعد مرور هذه السنوات والمأساة، دخلت السياسة والمحاصصة والكيد والحقد على هذا الملف، وتجازوت مطالب البعض والهدف الأساسي من المشروع المقترح وهو إنصاف المظلومين والمغبونين، لتطال المطالب إطلاق المحكومين بترويج المخدرات، والجواسيس، ومرتكبي الجرائم، ولتتشدّد في عدم إطلاق الأشخاص الذين تمّت فبركة ملفات "إرهاب" لهم، أو لحيازتهم على هواتفهم صوراً أو فيديوات لمجموعات مسلحة، أو ربما بعضهم لمساهمتهم في نصرة الشعبين السوري أو الفلسطيني؛ بمعنى آخر راحت مطالب البعض تعمل لتفريغ المشروع الأساسي الذي كان يهدف إلى إقفال هذا الملف الذي يعلم الجميع حجم الظلم الذي وقع فيه على بعض الشبّان الذين فُبركت لهم ملفات تحت عنوان "الإرهاب" ولكن الحقيقة أنّهم أُوقفوا على مواقفهم السياسية أو على رفضهم الكيل بمكيالين في البلد، وقبعوا بعد ذلك في السجون دون محاكمات طيلة سنوات بعضهم تجاوز العشر سنوات وبعضهم أكثر من ذلك، والأشد نكاية أنّ بعضهم أُطلق بعد ذلك بحكم براءة كما حصل مؤخراً مع الشيخ خالد حبلص الذي برّأته المحكمة من تهم مواجهة الجيش اللبناني أو إطلاق النار عليه أو قتل عناصره، وقد قبع في السجن قرابة 14 عاماً.

والحقيقة أنّ رفع مطلب العفو العام كان بهدف تيسير إقفال هذا الملف وإنهاء مأساة عشرات بل مئات الموقوفين من دون محاكمة، خاصة وأنّ الظروف التي أوقفوا فيها قد تبدّلت وتغيّرت خاصة بعد إسقاط النظام السوري السابق، والتهم التي أوقفوا عليها، يعلم الجميع أنّ أغلبها ملّفق ومفبرك أو أنّ التوقيف كان على النوايا أو على صورة في هاتف أو كلمة أو شتيمة في معرض نقاش، أو اعتراضاً على عدم المساواة بالحقوق والواجبات بين المواطنين، وفي أصعب الحالات كان على تقديم دعم مادي نصرة للشعب السوري أبّان ثورته، في مقابل انخراط غيرهم من اللبنانيين بشكل علني ومباشر وصريح دعماً للنظام السوري البائد مع ما جرّه ذلك من ويلات على لبنان واللبنانيين، من دون أن يمسّ هؤلاء أي سوء أو توقيف أو اتهام كما لو أنّ هناك صيف وشتاء تحت سقف واحد في هذا البلد وهو كذلك.

أمّا وقد حاول البعض إجهاض مسعى إقرار قانون العفو العام عن الموقوفين "الإسلاميين" وعن غيرهم ممن وقع عليه ظلم أو غبن أو تمّ إهمال محاكمته طيلة سنوات بذرائع واهية ولكن لأسباب سياسية كما بات معلوماً للجميع، فإنّ المطلوب الآن محاكمة هؤلاء محاكمة عادلة وفتح جميع الملفات المتصلة بهم وبالتهم الموجّهة إليهم، وعدم الإبطاء ولو للحظة واحدة وتحت أيّ اعتبار أو ذريعة في البدء بمحاكمتهم وإطلاق سراح من تثبت براءته، ومحاكمة من تثبت إدانته وفق القانون المعمول به، ومن ثمّ تعويض كلّ موقوف عن السنوات التي قضاها في السجن من دون وجه حقّ تعويضاً معنوياً ومادياً، ومحاكمة من تسبّب بهذا المظلمة الكبيرة التي لا يعوّضها شيء، وبالتالي فتح باب محاكمة كلّ مسؤول في أّيّ موقع كان، على تسبّبه بهذا الظلم الذي ألحقه بغيره طيلة عشرات السنوات، عن قصد وفبركة أو عن غير قصد.

آن للبنان أن يخرج من منطق المحاصصة والزبائنية إلى كنف دولة القانون والمؤسسات، وآن الأوان للشروع في مرحلة العدالة الانتقالية التي تُشعر المواطنين بحرّيتهم وكرامتهم وأنّ لهم حقوقاً وعليم واجبات في هذا البلد، لا الدخول مجدّداً في منطق التسويات التي تُعفي الكثيرين من مسؤوليتهم التي ألحقوا من خلالها مظلمة كبيرة بغيرهم من المواطنين.

العفو العام في حقيقته وجوهره ليس إطلاقاً للموقوفين من دون محاكمة بقدر ما هو أعفاء للمسؤولين عن هذه المظلمة الكبيرة عن مسؤوليتهم في الزجّ بهذه الأعداد الكبيرة في السجون طيلة هذه السنوات ومن دون محاكمات، ولذلك المطلب بعد الآن يجب أن يكون عدالة انتقالية لا عفواً عاماً.

 

 

 

--