العدد 1714 /6-5-2026
بسام غنوم
دخل التصعيد الأميركي الإيراني
مرحلة غير مسبوقة مع تشديد واشنطن للحصار البحري على الموانئ الإيرانية، وربط رفعه
بالتوصل إلى اتفاق جديد يقيّد البرنامج النووي الإيراني بشكل كامل. وفي المقابل،
تحاول طهران تحويل الضغط العسكري والاقتصادي إلى ورقة تفاوض عبر اقتراحات مرحلية
تتضمن فتح مضيق هرمز وتهدئة المواجهة مقابل ضمانات أمنية وتخفيف العقوبات.
الحصار الأميركي لا يقتصر على
العقوبات التقليدية، بل يمتد إلى اعتراض السفن ومراقبة خطوط الملاحة والطاقة في
الخليج، وهو ما تعتبره إيران "حرباً اقتصادية مفتوحة”. وتؤكد تقارير غربية أن الإدارة الأميركية
ترى في الحصار وسيلة أكثر فاعلية من الضربات العسكرية المباشرة، لأنه يستنزف
الاقتصاد الإيراني ويقلص قدرة طهران على تصدير النفط وتمويل حلفائها الإقليميين.
لكن خطورة هذه السياسة تكمن في
أن إيران تملك بدورها أوراق ضغط استراتيجية، أبرزها مضيق هرمز الذي يمر عبره جزء
كبير من تجارة النفط العالمية. وقد لوّحت طهران مراراً بإغلاق المضيق أو تهديد
الملاحة الدولية إذا استمر الحصار، فيما أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب بدء
عمليات لـ”تحرير حركة السفن” في المضيق، ما يرفع احتمالات الاحتكاك العسكري
المباشر.
ورغم هذا التصعيد، لا تبدو
أبواب التفاوض مغلقة بالكامل. إيران قدمت عبر وسطاء إقليميين مقترحاً من عدة مراحل
يتضمن وقف الأعمال العدائية وفتح مضيق هرمز ورفع الحصار البحري، على أن تُرحّل
المفاوضات النووية إلى مرحلة لاحقة أكثر هدوءاً. كما تطالب طهران بضمانات بعدم تكرار الهجمات
الأميركية والإسرائيلية، إضافة إلى الإفراج عن الأموال المجمدة وتخفيف العقوبات.
غير أن واشنطن رفضت حتى الآن
هذه الصيغة، معتبرة أن أي اتفاق يجب أن يبدأ أولاً بضمان منع إيران من امتلاك سلاح
نووي. وتخشى الإدارة الأميركية من أن يؤدي تخفيف الضغط قبل الاتفاق النووي إلى منح
إيران فرصة لإعادة تنظيم قدراتها العسكرية والاقتصادية.
في المقابل، تدرك إيران أن
استمرار الحصار لفترة طويلة قد يفاقم أزمتها الاقتصادية الداخلية، خصوصاً مع تقلص
القدرة على التخزين النفطي وصعوبة التصدير. لذلك تحاول طهران البحث عن منافذ بديلة عبر
الحدود البرية وعبر شركاء إقليميين لتخفيف آثار العزلة الاقتصادية.
السيناريو الأخطر يبقى
الانزلاق إلى مواجهة عسكرية واسعة في الخليج. فوجود القوات الأميركية المكثف، وتحركات الحرس
الثوري، والتوتر في الممرات البحرية، كلها عوامل تجعل أي حادث محدود قابلاً للتحول
إلى صدام كبير قد يهدد أمن الطاقة العالمي ويرفع أسعار النفط بشكل حاد. كما أن دخول
أطراف إقليمية أخرى على خط المواجهة سيجعل الحرب أكثر تعقيداً وكلفة.
ومع ذلك، فإن المصالح الدولية
الكبرى، خصوصاً مصالح الصين وأوروبا المرتبطة باستقرار الطاقة والتجارة العالمية،
قد تدفع نحو تسوية سياسية تدريجية. الولايات المتحدة تريد اتفاقاً يضمن أمن إسرائيل
ويقيد المشروع النووي الإيراني، بينما تسعى طهران إلى تثبيت دورها الإقليمي ورفع
الحصار دون تقديم تنازلات كاملة.
بين الحرب والتفاوض، تبدو
المنطقة أمام مرحلة شديدة الحساسية؛ فكل طرف يرفع سقف الضغط لتحسين شروطه، لكن
الجميع يدرك أن أي انفجار شامل في الخليج قد تكون كلفته أكبر من قدرة الجميع على
الاحتمال.
بسام غنوم