لطالما تحمل لبنان الاعتداءات الاسرائيلية كما الحروب الاسرائيلية المفتوحة على أراضيه منذ العام 1948، أي منذ قيام هذا الكيان الغاصب.. ولكن مؤخراً تعرض لبنان لحربٍ اسرائيلية مدمرة، تحديداً منذ الثامن من تشرين الأول/أكتوبر، من عام 2023، او ما اطلق عليه حينها حرب اسناد غزة، والتي استمرت 66 يوماً، ولم تتوقف الاعتداءات بعد اعلان وقف اطلاق النار، لان مضمون اعلان وقف اطلاق النار نصاً يعطي كل طرف أي لبنان واسرائيل حق التصرف إذا ما شعر بأن هناك ما يهدد أمنه، ومن هذا المنطلق استمرت إسرائيل في عدوانها مستندةً على هذا النص..وهو البند الرابع من نص الاتفاق الذي يقول..
(هذه الالتزامات لا تُقيد أياً من إسرائيل أو لبنان من ممارسة حقهما الطبيعي في الدفاع عن النفس، بما يتماشى مع القانون الدولي..)...وإذا كانت اسرائيل تمتلك القدرات العسكرية اللازمة والغطاء الدولي وخاصة الاميركي لممارسة عدوانها، فهل يملك لبنان الدولة والميليشيات الحزبية هذه القدرة وهذا الغطاء لتنفيذ اية عمليات عسكرية ضد الجيش الاسرائيلي..؟؟؟
في 2 آذار/مارس 2026، انخرط حزب الله في الحرب الاميركية الاسرائيلية على إيران، وفتح الجبهة اللبنانية، تحت عنوان الانتقام لاغتيال مرشد الجمهورية الايرانية (علي الخامنئي)..هذا كان عنوان او مبرر إطلاق الصواريخ الستة، على اسرائيل، واستغلت اسرائيل هذا الإطلاق الذي تم من جنوب لبنان خلافاً لنص الاتفاق الذي يتضمن فقرتين من البند الرابع..وهذا نصهما..
ب. بدءاً من منطقة جنوب الليطاني، تفكيك جميع المنشآت غير المصرح المشاركة في إنتاج الأسلحة والمعدات ذات الصلة، ومنع إقامة مثل هذه المنشآت في المستقبل.
ت. بدءاً من منطقة جنوب الليطاني، تفكيك جميع البنى التحتية، والمواقع العسكرية، ومصادرة جميع الأسلحة غير المصرح بها التي تتعارض مع هذه الالتزامات.
لم يفصل القرار بين جنوب الليطاني وشمال الليطاني، بل كان واضحاً في ان سحب السلاح وتفكيك البنية التحتية للميليشيات المسلحة، يبدأ من جنوب الليطاني. وقد حاول الرئيس نبيه بري التنصل من مضمون الاتفاق الذي وافق عليه وبحسب مصادر العربية: (بري أبلغ المبعوث الأميركي أنه لا يمكنه الوعد بنزع السلاح في شمال الليطاني )..ومن ثم بادر حزب الله ليقول إنه لن يسلم السلاح حتى لو انسحبت إسرائيل..
نحن في لبنان في مواجهة كيان اسرائيلي، يملك القدرة على الاعتداء وشن الحروب وتدمير ما يمكنه من بنى تحتية وقرى وبلدات ومدن واغتيال من يشاء من قادة ومواطنين، دون مساءلة او محاسبة، لما يحظى به من دعمٍ دولي، وهذا ما شاهدناه في الحرب على قطاع غزة، وما نعيشه اليوم ومنذ إطلاق حرب الانتقام لاغتيال الخامنئي.. أكثر من مليون ونصف المليون من النازحين اللبنانيين.. قرى مدمرة ومدن تم تهجيرها وإطلاق عملية تدمير مؤسساتها واقتصادها.. والنقاط الخمس التي كانت اسرائيل متمسكة بالبقاء فيها لحين تجريد حزب الله من سلاحه، تحولت الى احتلال جزء اساسي من جنوب لبنان.. ومنع السكان من العودة الى قراهم ومدنهم.. وحتى لو تم السماح بالعودة..
الضغط العسكري والأمني الاسرائيلي، والتدمير المنهجي الذي يتعرض له لبنان، والحصار المالي والاقتصادي، دفع بالرئيس جوزيف عون وحكومة الرئيس نواف سلام، للقبول بإطلاق مفاوضات مباشرة مع اسرائيل برعاية واشنطن، الراعي الرسمي لاسرائيل، والداعم الاساسي لهذا الكيان.. والهدف من التفاوض، هو وقف حمام الدم والتدمير والتهجير الذي يتعرض لبنان وفوق كل هذا فك عزلة لبنان عن العالم الخارجي.
اذا اي بديل يملك لبنان لرفض التفاوض او العزوف عن الانخراط في مفاوضات مهما كان شكلها لوقف العدوان وحماية الشعب من جرائم اسرائيل المتمادية..؟؟
المؤسف أن من يعترض، على الانخراط في المفاوضات، لا يقدم حلاً بديلاً.. حزب الله الذي انخرط في هذه الحرب، وفي حروبٍ قبلها، دون العودة للدولة او حتى الاستئناس برأي المكونات الاخرى اللبنانية ولو خارج إطار المؤسسات الرسمية.. اليوم يرفض حزب الله التفاوض المباشر، ويطالب الدولة اللبنانية بوقفها مع تأكيده على عدم سحب سلاحه خلافاً لما تم التوقيع عليه..مع شن حربٍ اعلامية وسياسية شعواء على فخامة الرئيس ودولة الرئيس.. متجاهلاً أو محاولاً التعمية على مضمون الاتفاق الذي تم توقيعه في 27/11/2024..
والثنائي ومن يقف معه سواء بتقاطع الموقف او بالانتماء لمحوره، والذي يرفض التفاوض المباشر، يتناسى او يتجاهل، ما سبق من التفاوض المباشر مع اسرائيل ولمدة عشرة سنوات كما اخبرنا الرئيس نبيه بري، عند اعلانه الاتفاق مع دولة اسرائيل كما قال بري نفسه في مضمون اعلانه، على الترسيم البحري والذي فاوض خلاله السيد (هوكشتاين) المندوب الاميركي والمزدوج الجنسية (اميركي- اسرائيلي).. والذي كان ضابطاً في الجيش الاسرائيلي خلال حرب عناقيد الغضب عام 1996..التي شنتها اسرائيل على لبنان حينها..؟؟؟
وكذلك يتجاهل الثنائي ومن يقف معهم، تحت عناوين ومبررات سياسية، او شرعية كما يحب البعض أن يقدم نفسه.. ما ورد في نص اتفاق الترسيم البحري من تنازلات، اضافة الى ان الاعلان نفسه وطريقة التفاوض كانت تتضمن مخالفات عدة:
التفاوض من صلاحيات فخامة الرئيس، لذا فإن المفاوضات التي قادها نبيه بري رئيس المجلس التشريعي، ليست من صلاحياته وغير دستورية..
قاد الرئيس بري المفاوضات منفرداً ممثلاً بيئة ومكون لبنان واحد، دون تنسيق او تعاون مع المكونات الاخرى.. اي دون اجماع وطني كما يطالب نعيم قاسم اليوم..؟؟
تخلي لبنان عن المطالبة بحقه في المنطقة البحرية الممتدة من خط 29، والتراجع الى الخط 23، مما اعطى اسرائيل منطقة اقتصادية بحرية.. تحتوي على كميات من النفط والغاز..من الذي سمح لرئيس المجلس النيابي بالتنازل والتخلي..؟؟؟؟
إعلان الرئيس نبيه بري كلمته المتلفزة أن الاتفاق قد تم مع دولة اسرائيل، وليس مع الكيان الغاصب.. مما يعني أن حدودنا الجنوبية لم تعد مع فلسطين المحتلة بل مع دولة اسرائيل..
رفض الرئيس نبيه بري عرض مضمون الاتفاق ونصه على المجلس النيابي للتصويت عليه، رغم تخلي لبنان عن مساحة اقتصادية بحرية، الممتدة بين خطي 29 و23..في حين أن دولة الاحتلال عرضت نص الاتفاق على الكنيست الإسرائيلي للتصويت عليه ومن ثم إعلان الموافقة.. وتم نشر مضمون الاتفاق ونصوصه في الصحافة الاسرائيلية..والى الان لم يتم اطلاع الشعب اللبناني على مضمون الاتفاق..؟؟؟
الخلاصة..
الالتزام بالنص الدستوري، امر غير قابل للنقاش، وهذا ما اكده بيان المجلس الاسلامي الشرعي الاعلى، الذي عقد اجتماعه برئاسة سماحة المفتي عبد اللطيف دريان، واعلن خلاله أن التفاوض هو حق السلطة التنفيذية وتحديدا فخامة الرئيس.. ولكن كما يبدو هناك من يريد قراءة النص الدستوري على طريقته .
المطلوب قليل من احترام الذات كما العقول، والذاكرة اللبنانية التي يحاول البعض التعمية عليها ومن ثم اعطاء البراءة لمن تسببت ارتباطاته وسياساته في تدمير الوطن والعبث باستقراره وتعريضه للانقسام الداخلي وللاحتلال من جديد..ومن ثم نجدد التساؤل ما هو البديل الموضوعي عن التفاوض المباشر مع اسرائيل...!!