العدد1725 /22-7-2026

محمد جمال عرفة

هل صحيح أنّ مبعوثَي دونالد ترامب، جاريد كوشنر وستيف ويتكوف، المكلفَين بمفاوضات إيران كانا أكثر اهتماماً باستغلال "معلومات داخلية سرية" عن المفاوضات، لاستعمالها في تحقيق مكاسب في الأسواق المالية أكثر من اهتمامهما بالتوصل إلى اتفاق سياسي مع طهران؟

وماذا قال نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس حين أبلغته إيران، على الخاص، وحذرته من أن كوشنر وويتكوف "يسيئان استغلال وصولهما الداخلي لمعلومات المفاوضات من أجل تحقيق مكاسب مالية"، في صورة عقود ومراهنات واتفاقيات يتربّحان منها؟

هذا ما كشفه مسئولون إيرانيون رسميون للصحافي الأميركي الشهير جيريمي سكاهيل وكتبه في موقع "دورب سايت" الأميركي، يوم 15 يوليو 2026، وهو ليس أمراً غريباً بالنظر لقيام كل المسئولين المحيطين بترامب وأبنائه أيضاً، وهم من رجال الأعمال والبيزنس، بالتربّح من الحرب عبر توظيف كل معلومة من داخل الإدارة للمراهنة أو إبرام صفقات.

فكل من جاريد كوشنر وستيف ويتكوف متهمان بالسعي إلى استغلال معلومات المفاوضات لتحقيق مكاسب مالية مباشرة، ومتهمان أيضاً بالحرص على هندسة اتفاق مع إيران يفتح الباب أمام استثمارات تستفيد منها شبكات أعمال مرتبطة بهما.

إذ إنّ الرجلين لا يديران المفاوضات بوصفهما دبلوماسيَّين فحسب، بل بصفتهما سمسارَي بورصة ومراهنات يستغلان أي معلومة (اتفاق أو هدنة أو حرب) لجني أموال، كما يمتلكان شبكات استثمارية سوف تستفيد مادياً إذا فُتحت السوق الإيرانية بعد رفع العقوبات أو تخفيفها، وهما يوجهان المفاوضات نحو هذه المصالح الشخصية المالية أكثر من مصلحة أميركا نفسها.

وفق الرواية الإيرانية الرسمية والإعلام المقرب من طهران، فإنّ الاتهامات الموجهة لجاريد كوشنر وستيف ويتكوف تدور حول "وجود مصالح اقتصادية واستثمارية" لهما تقف خلف إدارتهما لملف المفاوضات.

وأبرز المكاسب التي تتهم إيران الرجلين بالسعي إليه تدور حول تربّحهما من إنشاء صندوق استثماري ضخم لإعادة إعمار إيران تشارك فيه شركاتهما، والاستثمار في العقارات والبنية التحتية، والسعي إلى فتح قطاع النفط والغاز الإيراني أمام الشركات الأميركية والغربية ضمن أي اتفاق مستقبلي، بما يمنح المستثمرين المقربين منهما فرصاً كبيرة في مشاريع الطاقة، أي أنهما يحاولان تحويل أي اتفاق إلى حزمة استثمارات وصفقات اقتصادية.

يتلاعبون بالأسواق المالية

خلال المحادثات الأميركية الإيرانية الأخيرة في سويسرا أواخر يونيو/حزيران 2026، أرسل المفاوضون الإيرانيون رسالة خاصة إلى نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس عبر وسيط، حذروه فيها من أن استمرار وجود مبعوث ترامب، ستيف ويتكوف، وصهره جاريد كوشنر، سيقوض فرص الوصول إلى اتفاق دائم، وفقاً لما صرح به مسؤول إيراني رفيع المستوى لموقع "دروب سايت".

وقد كشف مسؤول إيراني كبير لموقع "دورب سايت" أنّ طهران أخبرت فانس على الخاص بأن الثنائي يستغلان المفاوضات لتحقيق مكاسب مالية، وأرسلت له رسالة تحذره فيها من أن كوشنر وويتكوف "يسيئان استخدام" نفوذهما الداخلي في المفاوضات للفوز بصفقات مالية أكثر من اهتمامهما بالوصول لاتفاق.

حينها أوضحت إيران لفانس في الرسالة أن كوشنر وويتكوف كانا أكثر اهتماماً باستغلال معلومات داخلية عن المفاوضات لتحقيق مكاسب في الأسواق المالية بدلاً من التوصل إلى اتفاق، وأعربوا عن قلقهم إزاء التسريبات المتكررة من كوشنر إلى نتنياهو، وهو ما أكده مسؤول أميركي لموقع "أكسيوس" مؤكداً بأنّ ويتكوف وكوشنر "يتحدثان على نحوٍ شبه يومي مع نتنياهو ورئيس الموساد منذ بدء المفاوضات".

وكمثال، قال المسؤول الإيراني، إنه في الأسابيع التي سبقت توقيع مذكرة التفاهم، قدمت إيران وثائق مكتوبة للوسطاء تتضمن دليلاً على أنّ "أفراداً مقربين من الرئيس ترامب" يستغلون الحرب الإيرانية والتطورات الدبلوماسية للتلاعب بالأسواق المالية رغم أن كوشنر هو مواطن عادي ليس له أي دور حكومي رسمي.

مراهنات على الحرب

ومنذ بدء الحرب الإيرانية، لاحظ العديد من المحللين الماليين نمطاً يتمثل في وضع رهانات مضاربة أو اتخاذ مراكز كبيرة غير معتادة في الأسواق الرئيسية المرتبطة بالنزاع والأحداث الدبلوماسية، بما في ذلك تصريحات متكررة من ترامب قبيل افتتاح التداولات الأميركية يوم الاثنين خصوصاً، ما أظهر أن مسئولين بإدارة ترامب مطلعين على معلومات داخلية يتلاعبون بأسواق العقود الآجلة للنفط، وأسهم الطاقة، وأسواق التنبؤات.

والمفارقة الساخرة أنّ إيران قدّرت أرباحها من هذا التلاعب وتسريب معلومات الحرب والمفاوضات من جانب أعضاء بإدارة ترامب بنحو 9 مليارات دولار، وطلبت رسمياً، وكتابياً، أن تحصل على حصة من هذه العائدات، وقال مسؤول إيراني: "أبلغناهم عبر وسطاء أن 4.5 مليارات دولار من هذا المبلغ يجب أن تُخصص أيضاً للجانب الإيراني"!

لهذا يواصل المحققون المستقلون ووسائل الإعلام التساؤل عما إذا كان من المناسب لمستثمري العقارات مثل كوشنر وويتكوف قيادة مفاوضات جيوسياسية حساسة، نظراً لاحتمالية تضارب المصالح وتربّحهما من المفاوضات مالياً.

وعلى الرغم من أن ترامب اعترف أن مبعوثَيه (كوشنر وويتكوف) هما من رجال أعمال وليسا مفاوضَين سياسيَّين، وزعم أن "الخبرة في المفاوضات التجارية قابلة للتطبيق في الدبلوماسية"، إلا أن كل المفاوضات التي تدخلوا فيها خرجوا منها بأرباح مالية حسب ما تشير تقديرات أميركية.

ووثقت صحف غربية تحقيق ويتكوف وكوشنر وعائلة ترامب مكاسب مالية كبيرة خلال إدارتهم ملفات الشرق الأوسط، ووجود شبهات تضارب مصالح بسبب استمرار أعمالهم التجارية واستثماراتهم مع حكومات المنطقة.

ففي عام 2021، أسس كوشنر شركة "أفينيتي بارتنرز" الاستثمارية، التي بلغت أصولها وفقاً لتقارير عام 2025، أكثر من 5 مليارات دولار، معظمها من صندوق الثروة السيادي السعودي، بالإضافة إلى استثمارات كبيرة أخرى لصناديق تابعة لحكومتَي الإمارات وقطر، ثم كشفت مجلة "فوربس" أن ثروة ستيف ويتكوف ارتفعت بنحو 15% خلال عام واحد من عمله مبعوثاً لترامب، بسبب البيزنس الذي يقوم به.

وفي مارس/ آذار 2026، في ذروة الحرب الأميركية الإيرانية، ذكرت صحيفة نيويورك تايمز أن كوشنر كان يسعى لاستغلال الحرب من أجل جذب المزيد من الاستثمارات من حكومات الخليج وزادت ثروته.

ونقلت رويترز عن خبراء مال أنّ إسناد ملف إيران إلى ويتكوف وكوشنر أثار تساؤلات ليس حول خبرتهما فحسب، بل أيضاً حول طبيعة الاعتماد على شخصيات ذات خلفيات تجارية وشبكات أعمال واسعة في المنطقة.

وذهبت مجلتا "دروب سايت" وMs. Magazine أبعد من ذلك، واعتبرتا أنّ الحرب مع إيران أصبحت "مركز أرباح" لمبعوثَي ترامب وعائلته وحلفائه، مستندة إلى زيارة أرباحهم وتوسع مشاريعهم.

وبشكل عام يثير استمرار دور جاريد كوشنر وستيف ويتكوف في ملفات الشرق الأوسط، ولا سيّما مفاوضات إيران، تساؤلات متزايدة حول تضارب المصالح بين المهام السياسية والمصالح الاستثمارية الخاصة بهما.

فبينما تنفي الإدارة الأميركية وجود أي تضارب، تشير تقارير غربية إلى أنّ شبكة علاقاتهما المالية، إلى جانب استثمارات عائلة ترامب في قطاعات الطاقة والعقارات والخدمات المالية في المنطقة، قد تجعل أي تهدئة أو تصعيد مع إيران ذا انعكاسات اقتصادية مباشرة على شركاتهما.

وهو ما يعني أن مفاوضات إيران ليست مجرد مسار دبلوماسي، بل تحولت إلى أداة لتعظيم المكاسب المالية لمبعوثَي ترامب عبر استغلال معلومات للتربح المباشر في صفقات ومراهنات، أو إعادة تشكيل بيئة الاستثمار في الخليج، واستقطاب رؤوس الأموال، وتوقيع صفقات عقارية ومالية جديدة.

ورغم عدم وجود أدلة قاطعة تثبت تحقيق كوشنر أو ويتكوف أرباحاً مباشرة من الحرب نفسها، فإنّ تقارير صحافية غربية وثقت توسع مصالحهما التجارية بالتوازي مع انخراطهما في ملفات الشرق الأوسط، وهو ما غذّى الجدل بشأن تضارب المصالح وإمكانية توظيف النفوذ السياسي لخدمة استثمارات خاصة.