العدد1724 /15-7-2026

محمد أبو رمان

لم يكن اجتماع حلف شمال الأطلسي (ناتو) الأسبوع الماضي في أنقرة مجرّد قمة عسكرية، بل كان إعلانَ التحول الكبير في موقع تركيا داخل المعادلة الدولية، فالرئيس رجب طيب أردوغان، الذي كانت علاقاته مع واشنطن وأوروبا في عهد جو بايدن مثقلة بالخلافات، خرج اليوم بصورة مختلفة تماماً؛ شريكاً يحظى باهتمام إدارة الرئيس دونالد ترامب، وقوة إقليمية لا تستطيع أوروبا والولايات المتحدة تجاوزها في ملفات أوكرانيا، والبحر الأسود، وسورية، والشرق الأوسط.

حظيت القمة باهتمام استثنائي في إسرائيل. فمن يطالع الصحافة الإسرائيلية، ولا سيّما المنصّات اليمينية القريبة من المؤسّسة الأمنية مثل "إسرائيل هيوم"، يلحظ بوضوح انتقال الاهتمام من إيران وحدها إلى تركيا بوصفها التحدّي الإقليمي الصاعد.

في مقال بعنوان "كيف يحوّل أردوغان تركيا إلى قوة إقليمية عظمى"، ترى محرّرة الشؤون الخارجية، نيتا بار، أن تركيا لم تعد مجرّد دولة ذات طموحات سياسية، بل باتت تبني قوة عسكرية وصناعية تغيّر موازين القوى في المنطقة، وتصف الجيش التركي بأنّه ثاني أكبر جيوش "الناتو" بعد الولايات المتحدة، فيما تجاوزت صادرات الصناعات الدفاعية التركية عشرة مليارات دولار بعد قفزات متتالية خلال الأعوام الأخيرة، في مؤشّر على أن أنقرة لم تعد تعتمد على الغرب في بناء قوتها العسكرية، بل أصبحت منتجاً ومصدّراً لها. ولا يقل أهمية عن هذا مقال شاحر كلايمان "أردوغان 2.0"، ويقدّم فيه وزير الخارجية هاكان فيدان امتداداً للمرحلة الجديدة في تركيا، لا مجرّد خليفة محتمل لأردوغان، فالقلق الإسرائيلي، بحسب المقال، لم يعد متعلقاً بشخص الرئيس التركي، بل بمسار دولة كاملة تتجه نحو تعزيز صناعاتها العسكرية، وتوسيع نفوذها الإقليمي، واتباع سياسة أكثر صدامية مع إسرائيل.

قد تبدو هذه المقالات جزءاً من المبالغات الإسرائيلية المعتادة، أو محاولة لتغذية سردية حكومة نتنياهو أن إسرائيل محاطة بأخطار وجودية تبرر سياساتها العسكرية والتوسّعية، وقد يكون هذا صحيحاً إلى حد ما، لكنه لا يلغي حقيقة أخرى لا تقل أهمية، أن تركيا نفسها تغيرت.

لم يبدأ التحول التركي مع الحرب أخيراً، بل هو مسار تراكمي يمتد منذ وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة قبل نحو ربع قرن. صحيحٌ أن هذا المسار شهد تعثّرات وأزمات مع الغرب، ومرّ بمراجعاتٍ قاسيةٍ بعد الانقلاب الفاشل والأزمات الاقتصادية، إلا أن النتيجة النهائية كانت بناء نموذج مختلف للدولة التركية، يقوم على تقليص الاعتماد العسكري على الخارج، وتطوير الصناعات الدفاعية الوطنية، وربط القوة الاقتصادية بالقوتين، العسكرية والدبلوماسية. واليوم يبدو أن أنقرة تحاول ترجمة هذه القوة إلى نفوذ سياسي، ليس عبر القطيعة مع الغرب، بل بإعادة تعريف علاقتها به، بحيث تصبح شريكاً لا تابعاً، وقوة تفاوض لا مجرّد عضو في التحالف الأطلسي.

ومن هنا يمكن فهم تصريحات أردوغان التي وسّع فيها مفهوم الأمن القومي التركي ومجاله الحيوي ليشمل سورية ولبنان، بوصفها تعبيراً عن رؤية جديدة لدور تركيا في الإقليم، لا مجرّد خطاب سياسي عابر. كما يمكن فهم التقارب المتزايد مع قوى إقليمية متوسطة Middle Regional Powers مؤثرة، مثل السعودية ومصر وباكستان، باعتباره جزءاً من سياسة أوسع تهدف إلى بناء شبكة من الشراكات القادرة على إنتاج قدر أكبر من التوازن في مواجهة التحوّلات التي أفرزتها الحرب الأميركية ـ الإيرانية أخيراً، وصعود إسرائيل بوصفها القوة العسكرية الأكثر حضوراً في المنطقة.

في المقابل، تدرك أنقرة أن مواجهة عسكرية مباشرة مع إسرائيل ليست خياراً واقعياً في المدى المنظور، سواء بحكم عضويتها في حلف الناتو أو طبيعة علاقتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة. لذلك ستبقى المنافسة بين الطرفين، على الأرجح، في إطار النفوذ، والتحالفات، والصناعات العسكرية، وترتيبات الأمن الإقليمي.

لهذا، ربما لا يكون السؤال الحقيقي اليوم: هل ستدخل تركيا في مواجهة مع إسرائيل؟ بل سؤال آخر أكثر أهمية: هل نحن أمام ولادة توازن قوى إقليمي جديد، تنتقل فيه تركيا من دولة تبحث عن دور، إلى دولة تسعى إلى رسم قواعد اللعبة نفسها؟ يبدو أن هذا هو السؤال الذي بدأ يقلق دوائر صنع القرار في تل أبيب أكثر من أي وقت مضى.