عن حاجة لبنان إلى تفاهم وتفّهم داخلي!
العدد1721 /24-6-2026

يمكن القول إنّ الحرب التي شهدتها المنطقة، وفي صلبها لبنان، بدأت تضع أوزارها، ولكنّ نتائجها وتداعياتها ما تزال مستمرة وقد تأخذ مزيداً من الوقت كي ترسو الأمور والأوضاع على برِّ ثابت. في لبنان حيث كان البلد مسرحاً لجزء كبير من هذه الحرب، وما يزال، قد تنعكس نتائج الحرب عليه سلباً إذا لم يُحسن أبناؤه التعامل مع هذه النتائج، خاصة في ظلّ الانقسام الداخلي الحاد والموروث على خلفيات وقضايا عديدة؛ وقد يتحوّل إلى جوائز ترضية مع اتجاه الأمور إلى إرساء نظام إقليمي جديد كأحد نتائج وتداعيات الحرب. خلال اليومين الأخيرين شهدنا جولة جديدة من المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية برعاية أمريكية في واشنطن، هي شكل آخر من أشكال المواجهة التي تجري في الجنوب، مع اختلاف في أمرين: في الجنوب المواجهة عسكرية ميدانية خشنة مؤلمة ومكلفة تتطلّب مقتضيات لها علاقة بهذا الميدان، وفي واشنطن المواجهة دبلوماسية مباشرة ناعمة لها تداعياتها إلى يمكن أن تصبح تاريخاً يظلّ أبناء الوطن يدفعون فواتيرها مع كلّ الأجيال. وأمّا الأمر الثاني وهو أكثر خطورة من المواجهة العسكرية أو الدبلوماسية فهو الانقسام الداخلي الحادّ على خلفية الحرب وأسباب دخولها من ناحية، وعلى خلفية كيفية مقاربة أحداثها والتعامل مع نتائجها من ناحية ثانية. إنقسام وصل إلى حدود الاتهامات بالتخوين والاستخدام والمغامرة والمقامرة أو التهاون والتنازل وأخذ يتحوّل تدريجياً إلى خصومات بل عداوات داخلية تُضعِف لبنان لصالح خصمه وعدوّه التاريخي الواحد الذي يُجمِع كلّ اللبنانيين على خصومته وعداوته وهو الاحتلال الإسرائيلي. الآن وبعد أن بدأت الحرب تضع أوزارها، بمعنى المواجهة العسكرية بدأت تتراجع، فإنّ المواجهة الدبلوماسية قد تتقدّم لتكريس نتائج الحرب، ولبنان في هذه الحالة بحاجة إلى تفاهم داخلي يقوّي الموقف الدبلوماسي التفاوضي كي لا تكون النتائج على حسابه وحساب مستقبله، وهذا بدوره بحاجة إلى تفهّم من كلّ الأطراف لبعضها البعض؛ لا معنى في هذه المرحلة لا للاتهامات ولا للمواقف الداخلية الحادّة ولا لإطلاق الأحكام يميناً وشمالاً ولا لنبش التاريخ وتحميل المسؤوليات عمّا آلت إليه الأوضاع والأمور، وليس على خلفية دفن ونسيان الماضي أبداً، ولكن من أجل تحصين اللحظة أمام التحدّي الماثل أمام الجميع. لبنان بحاجة إلى تفاهم داخلي كي لا تضيع الجهود ويتحوّل الصراع إلى صراع داخلي يستنزف الجميع؛ وبحاجة أيضاً إلى تفهّم الأطراف لبعضها البعض ولطبيعة المرحلة الدقيقة التي يمرّ بها لبنان، وتمرّ بها المنطقة حيث يتمّ إرساء نظام إقليمي جديد. تفهّم يوظف القدرات الدبلوماسية والعلاقات السياسية والقوّة العسكرية من أجل صالح البلد كلّه. تفهّم لا يُشعر أيّ طرف أنّه مستهدف أو على قائمة العزل أو الإقصاء أو التهميش. تفهّم لا يُشعر أحداً بالخوف على مستقبل البلد ومصيره من الاستئثار والتحكّم والغلبة. بمعنى آخر، لبنان بحاجة إلى أن يَشعر الجميع فيه من أبنائه أنّ لبنان لهم جميعاً ليس لفرد دون آخر ولا لمكوّن سياسي دون آخر ولا لجماعة دون أخرى ولا لحزب دون آخر. لبنان بحاجة إلى الجميع حتى يوظّفوا علاقاتهم وصداقاتهم كي تكون من أجل الوطن، لا أن تتحوّل تلك العلاقات إلى وسيلة تفتح البلد على مصراعيه للتدخلات الخارجية التي تحوّله إلى ساحة، وتحوّل أبناءه إلى أدوات في مشاريع ومصالح الغير. ماذا يُضير اللبنانيين أن يكون بلدهم موطناً لهم جميعاً يتمتّع أفراده بالمواطنة والحقوق والواجبات على قدم المساواة؟ ما يُضيرهم أن يسود منطق القانون والحقوق والكفاءة والنزاهة فلا فضل للبناني على لبناني آخر إلاّ بمقدار كفاءته وما يقدّمه للبلد من خير؟ الجميع الآن أمام هذا التحدّي وأمام واقع جديد ينشأ في المنطقة كلّها، فإمّا أن يحجز لبنان، وهو بالمناسبة اليوم يكاد يكون "قطب الرحى" فيما يجري، موقعاً مميّزاً له ولأبنائه ومستقبله، وإمّا أن يظلّ على حالة الانقسام والتبعية التي تحوّل البلد وأبنائه إلى ساحة وأدوات يستغلّها الجميع ويدفع ثمنها اللبنانيون من حياتهم وأرزاقهم ومستقبلهم.

حرب اللا منتصرين!
العدد1720 /17-6-2026

وأخيراً يمكن القول إنّ الحرب الأمريكية – الإسرائيلية – الإيرانية وضعت أوزارها بانتظار التوقيع الرسمي الحضوري على مذكرة التفاهم يوم الجمعة المقبل (19/6/2026) في جنيف بسويسرا بعد التوقيع الإلكتروني الأولي والمبدئي الذي حصل يوم الأحد الماضي بوساطة ورعاية ومتابعة قطرية هذه المرّة. الطرفان (أميركا وإيران) باتا على قناعة بضرورة إنهاء الحرب بعد حوالي 40 يوماً من القتال المباشر عبر الطائرات والصواريخ والمسيّرات، ومثلّها وأكثر عبر المفاوضات غير المباشرة وتبادل الرسائل بوساطة باكستانية ومتابعة وتأييد سعودي تركي مصري قطري، وقد أفضت هذه المفاوضات الشاقّة والصعبة إلى الوصول إلى مذكرة تفاهم لإنهاء الحرب. الطرفان الأمريكي والإيراني تحدّث كلّ منهما عن الانتصار، وعن إرغام الطرف الآخر على النزول على شروطه، هذا مع العلم أنّ بنود هذه المذكرة لم تُنشر بعد، على الأقلّ حتى لحظة كتابة هذا المقال، ما زالت طي الكتمان وكأنّها سريّة أو غير صالحة للنشر، إنّما جرى تسريب بعض بنودها، أو بالأحرى سرّب كلّ طرف من الطرفين، صيغة تظهره منتصراً في هذه الحرب. على كلّ حال لا بدّ من الانتظار إلى حين إعلان بنود المذكرة، وعندها يمكن الحسم أو يمكن أن تظهر حقيقة ما تحمله هذه المذكرة من بنود، هذا إذا أُعلنت أو إذا لم يكن لها ملاحق سريّة. وبالعودة إلى الحديث عن الانتصار وفرض الشروط وعن الهزيمة ودفع الأثمان، وقد أشرتُ إلى أنّ كلّاً من الطرفين يدّعي النصر وإلْحاق الهزيمة بالطرف الآخر في هذه الحرب، ولكن لنعد إلى أهداف هذه الحرب التي بدأتها دولة الاحتلال "إسرائيل" والولايات المتحدة الأمريكية على إيران؛ دولة الاحتلال أرادت إسقاط النظام وأعلنت عن ذلك بشكل صريح وواضح، أمّا الولايات المتحدة فلم تكن أهدافها واضحة بشكل كامل وإن بدا من خلال بياناتها وأدائها أنّها كانت تميل إلى تهذيب النظام والحدّ من طموحاته وليس تغييره، بينما كانت إيران تريد الدفاع عن نفسها والاحتفاظ ببقاء النظام كأولوية الأولويات بالنسبة لها، بغض النظر عن النتيجة أو الهيئة التي سترسو عليها الأوضاع في اليوم التالي للحرب، وبهذا المعنى، نعم يمكن القول، تحدّث كلّ من الولايات المتحدة الأمريكية وإيران عن النصر، وعن هزيمة الطرف الآخر، إلاّ دولة الاحتلال التي خابت في تحقيق هدفها إسقاط النظام وتغيير وجه المنطقة العربية (الشرق الأوسط) وإقامة "إسرائيل الكبرى" المزعومة فيها. الحقيقة أنّ هذه الحرب التي بدأتها دولة الاحتلال (إسرائيل) على إيران بموافقة ومشاركة أمريكية مباشرة كانت تريد أمريكياً الوصول إلى ما تمّ الوصول إليه. بمعنى أنّ الولايات المتحدة الأمريكية التي أعطت الضوء الأخضر لدولة الاحتلال لبدء الحرب وتوجيه الضربة الأولى، أرادت من خلال هذه الحرب تطويع المنطقة وإقامة نوع من التوازن بين مكوّناتها وقواها الكبرى (إيران + إسرائيل + العرب والترك) بما يتيح استمرار الصراع بين هذه القوى وفق المصلحة والخطة الأمريكية، وبما لا يسمح لأيّ من هذه القوى الكبرى في المنطقة بالهيمنة والتأثير عليها بحيث تتحوّل هذه المنطقة بثرواتها وموقعها الجغرافي السياسي وإمكاناتها على الصعد كافة إلى حديقة خلفية لأيّ من دول المنطقة الكبرى؛ بمعنى آخر، إنهاء الحديث الإيراني عن السيطرة والتحكّم بأربع عواصم عربية، ووضع حدّ لهذا الطموح؛ وإنهاء الحديث الإسرائيلي أيضاً عن "إسرائيل الكبرى" من النيل إلى الفرات التي رفع خريطتها نتنياهو يوماً، ووضع حدّ أيضاً لهذا الطموح الإسرائيلي، لأنّ "إسرائيل" وُجدت لتكون قاعدة عسكرية متقدمة تخدم المشروع الغربي في المنطقة العربية التي تُصنّف على أنّها "قلب العالم"، لا لتكون دولة لها طموح التحكّم بالعالم. وما ينطبق على هاتين القوّتين ينطبق في المفهوم الأمريكي أيضاً على العرب والترك، علماً أنّهما لم يتحدثا أبداً عن مشروع للسيطرة على المنطقة لأنّها بالأساس هي منطقتهم، الأرض أرضهم والشعوب شعوبهم، ولم يظهرا (العرب والترك) أيّ رغبة في التحكّم بالعالم أو منافسة الولايات المتحدة الأمريكية على ذلك. وبهذه الاعتبارات فإنّ الحرب والمفاوضات التي امتدت قرابة مئة يوم ليس فيها منتصر وليس فيها مهزوم؛ هي حرب شُنّت أمريكياً أو بموافقة ورعاية أمريكية من أجل إعادة هندسة المنطقة وفق الرؤية والمصلحة الأمريكية وبما يضمن استمرار تربّع الولايات المتحدة الأمريكية على عرش العالم وفي قمّة النظام الدولي لأنّ من يسيطر على منطقة قلب العالم يسيطر على النظام الدولي، وليس بهدف تحقيق انتصار أو إلْحاق هزيمة بالمعنى الحرفي الذي يعرفه الناس أو يقصده البعض والمتمثّل بإنهاء الخصم والقضاء عليه قضاءّ مبرماً تاماً. لا يمكن الحديث في هذه الحرب عن نصر وهزيمة، يمكن الحديث عن واقع جديد نشأ بفعلها ومن نتائجها، والأهم فيه أنّه واقع سيكون محكوماً بالتوازن بين الأطراف، وبالمناسبة هم أكثر من طرفين، وبحاجة الجميع الدائمة إلى أميركا حتى لو تضمّنت بعض صور الواقع الجديد ومشاهده نوعاً من العداء.

حرتقات الزواريب ومشروع بناء الدولة!
العدد1719 /10-6-2026 د. وائل نجم

الهجوم المسلّح الذي استهدف مبنى مركز الدعوة الإسلامية في منطقة عائشة بكّار في بيروت القريب من دار الفتوى، والذي شارك فيه عدد غير معروف حتى الآن من المسلّحين بعضهم معروف بالاسم وكامل الهويّة، لا يمكن أن يكون فردياً، بمعنى على خلفية إشكال فردي شارك فيه عدد من أصدقاء أحد المهاجمين، بل هو هجوم يحمل نوايا واضحة ومبيّتة من خلال عدد المهاجمين على مبنى مركز الدعوة، ونوعية الأسلحة التي كانوا يحملونها وقد صودر بعضها من قبل الجيش، وطريقة الهجوم التي كانت تهدف من جملة ما كانت تهدف إليه كما جاء في بعض الروايات، اقتحام مبنى مركز الدعوة بهدف إحراقه والسيطرة عليه، وإظهار صورة سلبية عن الجماعة الإسلامية من ضمن "الحرتقات الداخلية"أو قيام بعض الشخصيات المشبوهة والمأجورة بهذا الفعل خدمةً لأجندات داخلية أو خارجية دونما إقامة أيّ اعتبار للمصلحة الوطنية، أو حتى لمصلحة بيروت أو أبناء منطقة عائشة بكّار، وللمنسابة والتذكير فإنّ مبنى مركز الدعوة الإسلامية المستهدف بالهجوم يتألّف من تسع طبقات تضمّ التالي : مسجداً تُقام فيه الصلوات الخمسة وصلاة الجمعة حيث يؤمّه أبناء المنطقة على مدار اليوم وفي كل صلاة جمعة؛ ومركزاً صحيّاً يقدّم الخدمات الطبيّة شبه المجانية ليس لأبناء منطقة عائشة بكّار فحسب، بل لكل أبناء بيروت، بل حتى يمكن لغيرهم من خارج بيروت من خلال معدّات طبيّة حديثة غير متوفرة في أغلب متسوصفات بيروت، وبكلفة تكاد تكون رمزية؛ ويضمّ مركز الدعوة أيضاً إذاعة الفجر التي تقدّم الدروس الدينية والتوعوية في الوطنية والانتماء؛ هذا فضلاً عن قاعة للمناسبات يستخدمها أهالي المنطقة خاصة في مناسبات العزاء والمناسبات الاجتماعية الأخرى؛ ومؤسسات نسائية واجتماعية وتربوية تقدّم الخدمات الإنسانية والاجتماعية والتعليمية للطلاب، وطبقتين للجماعة الإسلامية. الحقيقة أنّ الهجوم على مبنى مركز الدعوة الإسلامية كان مفاجئاً في توقيته وخلفياته والأسباب التي سيقت لتبرير الهجوم، وفي الحملة الإعلامية التي شُنّت بعد الهجوم وانساق معها بعض المستغلّين. فالجميع من أبناء منطقة عائشة بكّار وأبناء بيروت يعرفون أنّ المبنى يضمّ مركزاً للجماعة الإسلامية، وهي طيلة الأعوام السابقة كانت وما زالت على أطيب علاقة مع جيرانها في محيط المبنى، وهم يشهدون بذلك، وكانت أبعد ما تكون عن إحداث أيّ نوع من أنواع التوتّر أو الإشكالات في محيطها، بل كانت تتكامل دوماً مع دار الفتوى الذي لا يبعد مركزها عن مركز الدعوة الإسلامية سوى عشرات الأمتار في تأمين كل ما يلزم لأبناء المنطقة من خدمات وراحة واستقرار أمني وسياسي والجميع هناك يعرفون ذلك ويشهدون به، ولم يُسجل طيلة الأعوام السابقة من تسعينات القرن الماضي العشرين وحتى حادثة الهجوم على مركز الدعوة، أن كانت الجماعة سبباً في إحداث أي إشكال أو توتّر في المنطقة، وجميع أبناء المنقطة يشهدون بذلك. والجماعة قامت خلال فترة الحرب الأخيرة بإخلاء الطبقتين من مبنى مركز الدعوة لبثّ الاستقرار والأمان والهدوء في المنطقة، خاصة وأنّ الاستهدافات الإسرائيلية خلال الحرب كانت في كثير من الأحيان تهدف إلى إثارة الذعر والخوف والفتن، فكان قرار إخلاء الطبقتين من قبيل سياسة سحب الذرائع. وقد استغل المهاجمون هذه الحالة ليقوموا بشنّ هذا الهجوم في هذا التوقيت بهدف السيطرة على المبنى وإحراقه ونسج الروايات المُضلّلة بعد ذلك بهدف التشوية ومن ضمن "حرتقات الزواريب". وأمّا في خلفيات الهجوم المسلّح على مبنى مركز الدعوة فإنّ المؤكّد حتى الآن أنّ الهجوم لم يكن فردياً بل بتخطيط واندفاع من بعض الأشخاص والشخصيات المعروفة بارتباطها وسلوكها وخدماتها لقوى داخل البلاد وخارجها، وفي هذا السياق يأتي الحديث عن محاولات لتقديم الجماعة الإسلامية كبش فداء في هذه المرحلة بوصفها "قوّة مسلحّة" خارجة عن إطار القانون والمؤسسات وتنشر الفوضى في بيروت، وهذا يدركه ويعرفه كلّ البيروتيين أنّه كذب وافتراء، لكنّه يمنح المرتبطين بأجندات خاصة، داخلية أو خارجية، فرصة لمحاولة النيل من الجماعة كقوّة سياسية تحرص على بناء البلد وتقدّم نفسها جماعة معتدلة وسطية منفتحة على كل اللبنانيين حريصة على بناء دولة المؤسسات والقانون. أو ربما يكون في بعض خلفيات الهجوم المستنكر محاولة لأخذ التركيز في البلد إلى مكان آخر غير المكان الذي تتركّز فيه وعليه الاهتمامات حالياً، وبالتالي "خلق" واقع جديد يخفّف من ضغط الواقع القائم. وعن أسباب الهجوم الذي ساقها بعض المشاركين فيه أو المدافعين عنه أو المستغلّين له فهي أسباب واهية، إن لناحية الحديث عن وجود سلاح في مركز الجماعة، وهو سلاح مرخّص من قبل الأجهزة المعنيّة في الدولة، وإن لناحية وجود عناصر حماية وهو أمر شائع لدى كلّ المؤسسات المدنية الكبرى في البلد، ومن الطبيعي جدّاً أن يقوم هؤلاء بالدفاع عن أنفسهم وعن المكان المولجين بحمايته، وبالمناسبة هم لم يبادروا إلى إطلاق النار إلا بعد تعرّضهم للرصاص وإصابة أحدهم أثناء هجوم المسلّحين المهاجمين. تبقى مسألة في غاية الأهمية والخطورة في آن، وهي معالجة هذه الحادثة أمام المؤسسات الأمنية والقضائية، فالمطلوب أن يأخذ القانون مجراه الطبيعي حتى يشعر الجميع أنّه في دولة مؤسسات وعدالة وقانون؛ هناك معتدي وهناك معتدى عليه، هناك مهاجم قدم من خارج منطقة الحادثة وربما أراد اقتحام المبنى وإحراقه وتدميره، وهناك مدافع عن نفسه. لا ينبغي ترك الأمر للمستغلّين، ولا المصطادين بالماء العكر، ولا لذوي الخلفيات وأصحاب النوايا السيئة والمشاريع المشبوهة، نعم لقيام دولة مؤسسات تحفظ الجميع في كنفها على قاعدة العدل والأمان للجميع.

مفاوضات واشنطن وميدان جنوب لبنان
العدد1718 /3-6-2026

خلال الأيّام القليلة الماضية انعقدت في واشنطن جلسات مباحثات عسكرية ودبلوماسية بين وفدي لبنان العسكري والدبلوماسي ووفدي كيان الاحتلال الإسرائيلي العسكري والدبلوماسي أيضاً برعاية أمريكية في وزارتي الحرب والخارجية وذلك لبحث ملفات أمنية عسكرية تقنية من ناحية بين الوفدين العسكريين، وملفات سياسية دبلوماسية بين الوفدين الدبلوماسيين، وتزامن أو ترافق ذلك مع تصعيد إسرائيلي خطير وكبير في ميدان الجنوب بلغ حدود إنذار أهالي مدينتي صور والنبطية بإخلائهما فضلاً عن عشرات القرى البلدات الأخرى، وتصعيد القصف المدفعي وغارات الطائرات الحربية على هاتين المدينتين، كما صعّد الإسرائيلي من تهديداته حيث وجّه إنذاراً شديداً وخطيراً إلى أهالي الضاحية الجنوبية لبيروت بإخلائها قبل موجات القصف التي هدّدها بها، وتزامنت هذه التهديدات الإسرائيلية مع إعلان الاحتلال عن السيطرة على قلعة الشقيف القريبة من مدينة النبطية والتي تحمل رمزية تاريخية ومعنوية كبيرة، ومن ثمّ اكتشف الجميع أنّ السيطرة على القلعة لم تشهد مواجهات عسكرية حيث أعلن المتحدث باسم الاحتلال أنّ القلعة كانت خالية من السلاح والمسلّحين. كما تجدر الإشارة إلى أنّ رئيس المجلس النيابي، نبيه برّي، أعلن بالتزامن مع هذه الأحداث والتطوّرات عن ضمانة يقدّمها ويلتزمها بشخصه لالتزام حزب الله بوقف إطلاق نار شامل. ثمّ فجأة ومن دون سابق، انبرى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من بين كلّ هذه الأحداث والتطوّرات وأعلن عن التوصل لاتفاق وقف إطلاق نار في لبنان بين حزب الله و"إسرائيل"، وتمّ إبعاد الضاحية الجنوبية، ولو مرحلياً، عن تجرّع كأس الدمار والتخريب والغارات الجوّية المنفلتة من كلّ عقال. بعيداً عن التحليلات والتخمينات والحديث عن إرغام الاحتلال على التراجع نتيجة تهديدات إيرانية بالانسحاب من المفاوضات مع أميركا، أو بتوجيه ضربات صاروخية إلى شمال فلسطين المحتلة، وبعيداً أيضاً عن الحديث عن صفقات وتسويات سريّة حصلت بعيداً عن الإعلام وطاولات المفاوضات المكشوفة أدّت إلى تغيير اتجاه الأحداث بزاوية تكاد تكون 180 درجة، بعيداً عن هذه وتلك، فإنّ التحدّي الأول الآن هو في مدى التزام الأطراف بما تمّ الإعلان عنه؛ لأنّ طرفاً منهما قد تراجع بالفعل. فإذا كان تحوّل الأحداث في ربع الساعة الأخير حصل بفعل التهديدات والتلويح بإعادة فتح المعركة من جديد من قِبَل طهران، فإنّ هذا يعني أنّ "إسرائيل" تراجعت سواء نتيجة خوفها من العودة إلى الحرب مع إيران، أو بفعل الضغط الأمريكي عليها. وإذا كان التحوّل حصل بفعل صفقة أو تسوية بعيدة عن الأنظار لا نعرف حقيقتها ولا ما تضمّنت إذا ما كانت قد جرت بالفعل، فإنّ هذا يعني أنّ الحزب ومن خلفه إيران تراجعا، وهو ما سيغري "إسرائيل" بممارسة المزيد من الضغط لدفع الحزب وإيران إلى المزيد من التراجع وتالياً التنازل. طبعاً الأيّام المقبلة والوقائع كفيلة بكشف الحقيقة الساطعة خلف ما حصل يوم جرى تهديد الضاحية ومن ثمّ الإعلان عن التوصل لوقف إطلاق النار. الآن لبنان أمام ميدانين وفرصة. أمّا الميدان الأول فهو ميدان المفاوضات المباشرة في واشنطن سواء كانت عسكرية أو دبلوماسية، ولم يعد بإمكان لبنان الانسحاب منها والتراجع عنها بسهولة ومن دون خسائر كبيرة، وبالتالي فهو بات بحاجة أكبر إلى تجميع عناصر القوّة التي تتيح له الصمود بمواجهة الشروط والطلبات الإسرائيلية، وفرض وقف إطلاق نار شامل وجدولة الانسحاب من الأراضي اللبنانية المحتلة؛ ولعلّ أهم عناصر القوّة التي يحتاجها لبنان هي: إعادة لَم الشمل الوطني خلف الدولة والإفادة من كلّ عناصر القوّة المتوفّرة لدى لبنان، وهنا يأتي الحديث عن ضرورة الإفادة من ميدان الأرض والمواجهات حيث يتكبّد الإسرائيلي الخسائر، ويتهيّب البقاء. والتنسيق مع العمق العربي بشكل أساسي لتشكيل قوّة ضغط كبيرة على الإدارة الأمريكية لتكون راعياً وسيطاً نزيهاً على أقل تقدير. والإفادة من الموقف الأوروبي الرافض أقلّه في هذه المرحلة لممارسات حكومة الاحتلال. وميدان المواجهات العسكرية في الجنوب، وهذا ميدان بات مفروضاً على الجنوبيين واللبنانيين بعيداً عن أسباب بلوغ هذه المرحلة، لأنّ الإسرائيلي كشف عن نواياه وأطماعه في الجنوب، وهو آخذ بتوسيع رقعة هذا الميدان كمّاً ونوعاً وحجماً، غير أنّه يتلقّى فيه ضربات موجعة ومؤلمة بات يعترف بها وبكلفتها التي ستكون باهظة مع طول الوقت والزمن. هذا الميدان المفتوح حالياً لا يمكن أن يكون من غير سقف لأنّ خاتمته لا بدّ أن تكون على طاولة المفاوضات بغض النظر عن النتيجة التي يمكن أن يصل إليها؛ ولذلك فإنّ هذا الميدان ينبغي أن تكون حركته منسجمة ومنسّقة مع ميدان المفاوضات حتى يؤتي كلٌّ من الميدانين أكله للبنان واللبنانيين. أمّا إذا ظلّ كلّ ميدان منفضلاً بذاته مغرّداً على هواه فإنّه نتائجه ستكون مخيّبة وخسارة للجميع. وأمّا الفرصة فإنّ المرحلة والأحداث والتطوّرات تقتضي التنسيق والتشاور وجمع أوراق القوّة، فالجميع على قناعة أنّ الأطماع التي تريد النيل من البلد كثيرة وكبيرة، غير أنّ كلّ فريق يريد أن يقف بوجه تلك الأطماع على طريقته، وهذا لا يسهم كثيراً في مواجهة تلك الأطماع، بينما جمع الموقف في إطار الدولة ومؤسساتها كفيل بتعزيز عنصر القوّة الذي يكون لصالح لبنان واللبنانيين فليجرّب المعنيون ذلك وسنرى النتائج.

مصير لبنان في ضوء الحديث عن إنهاء الحرب الأمريكية الإيرانية
العدد 1717 /27-5-2026 د. وائل نجم

خلال نهاية الأسبوع الماضي تصاعد الحديث عن احتمال توقيع اتفاق لإنهاء الحرب بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران بعد الوساطة الباكستانية التي تولّاها قائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير، والتي تمكّن خلالها من تدوير العديد من الزوايا بين الطرفين اللذين كانا يتمسّكان بموقفيهما من الشروط والشروط المضادة كما لو أنّ أيّاً منهما قد أحرز النصر الكامل ويريد أن يفرض شروط الاستسلام على الطرف الآخر. غير أنّ أمراً ما قد طرأ لدى كليهما أعاد الحديث عن الشروط والتصعيد، وأرجأ التوقيع على الاتفاق الذي تمّ التوصّل إليه إلى أجل غير معلوم حتى الآن، وإن كانت الأجواء توحي أنّه لا عودة كاملة إلى الوراء أو إلى أجواء الحرب. ما يعنينا في لبنان هو السؤال، ماذا عنّا وعن جبهة لبنان مع الاحتلال الإسرائيلي الذي يتوسّع كلّ يوم في الأراضي الجنوبية بغض النظر عن حجم الصمود والمواجهة التي تكبّده الخسائر وتثبت له بما لا يدع مجالاً للشكّ أنّ كلفة التوغّل والتقدّم والاحتلال والبقاء ليست بسيطة، بل كلفة عالية ومرتفعة.السؤال : هل ستتوقف الحرب على الجبهة الجنوبية، بل اللبنانية؟ أم ترى هذه الجبهة ليست مشمولة بأيّ اتفاق لوقف النار واستعادة الهدوء؟! من جهتها قوات الاحتلال وحكومتها تشدّد على أنّ أيّ اتفاق أمريكي إيراني لا يعنيها في لبنان، وهذه الجبهة ليست مشمولة له، بل حتى جبهة إيران مع "إسرائيل" غير مشمولة به، ولـ "إسرائيل" حقّ الاحتفاظ بالردّ أو مباشرة التعامل مع أيّ خطر تشعر به أو يمكن أن يهدّد أمنها، وهذا يعني أنّها لا تريد لأميركا أن تبرم أيّ اتفاق من أيّ نوع من إيران، فضلاً عن أنّها لا تريد لإيران أن تمسك بالقرار اللبناني، أو أن تربط بينها وبين لبنان لتُبقي على لبنان ورقة تستخدمها عند كلّ منعطف بحسب العقل الإسرائيلي. في مقابل ذلك فإنّ إيران تريد أن تُبقي على نوع من الارتباط بينها وبين حزب الله في لبنان لأنهاء الحرب في كلا البلدين؛ أولاً انطلاقاً من مبدأ أخلاقي حيث وقف حزب الله إلى جانبها في هذه المعركة وفتح الجبهة من جنوب لبنان مع فلسطين المحتلة، وأنّ أيّ تخلِّ عن حزب الله في هذه المرحلة هو بمثابة نحْر له مع الأخذ بعين الاعتبار الارتباط العضوي بينهما. وثانياً لأنّ تخلّيها عن لبنان يعني فقدانها لساحة إسناد أساسية وقويّة وبالتالي فقدان أحد أوراق القوّة في مفاوضاتها مع أميركا، ولذلك تشدّد دائماً على ارتباط الساحات والملفات، وتصرّ على وقف الحرب على كلّ الجبهات، لا سيّما لبنان، ولكنّها قد تصل إلى مرحلة إذا اشتدت الضغوط عليها فقد تتنازل نسبياً عن هذا الشرط إذا كان هذا الشرط سيفسد الاتفاق النهائي مع أميركا، خاصة وأنّها لا تتحدث عن ساحات أخرى لوقف الحرب فيها أو عليها كما في الحالة الفلسطينية أو في حالة قطاع غزّة على وجه التحديد. بالنسبة للبنان الرسمي المتمثّل بالرئاسة الأولى والحكومة فإنّهما اتخذا مسار المفاوضات المباشرة مع "إسرائيل" برعاية الولايات المتحدة الأمريكية لوقف الحرب وتأمين الانسحاب الكامل للاحتلال وإعادة النازحين والإعمار. بالنسبة للموقف الرسمي يرفض مصادرة القرار اللبناني من أيّ طرف، وهنا يجري الحديث عن إيران تحديداً حتى لا يظلّ أو يتحوّل لبنان إلى ساحة وإلى بيدق في المفاوضات. بينما يعلّق حزب الله الأمل على الموقف الإيراني في المفاوضات من أجل وقف الحرب وإنهاء القتال والتحوّل إلى مسار آخر. وهنا تكمن المشكلة في التباين اللبناني بين الدولة من جهة، وبين حزب الله من جهة ثانية لناحية مقاربة ملف الخروج من هذه الدوّامة أو هذا العنف المفرط من قبل "إسرائيل"، ومن وقف إطلاق النار أو إنهاء الحرب. مما لا شكّ فيه أنّ هذا التباين إذا تحوّل إلى شجار وخلاف داخلي لن يخدم لا لبنان الرسمي ولا حزب الله فيه، بل سينعكس سلباً على الفريقين؛ أمّا إذا جاء التباين في سياق توزيع الأدوار، ولو بطريقة غير رسمية أو متفق عليها، فإنّه عند ذلك سيكون في مصلحة لبنان بكل أطيافه وقواه، لأنّ لبنان الدبلوماسي الذي يفاوض في واشنطن بحاجة إلى أوراق قوّة محلية وغير محلية لاستخدامها خلال عملية التفاوض مع التشديد والتأكيد على استقلالية وسيادة القرار اللبناني؛ ولبنان المقاوم يحتاج إلى الجهد الدبلوماسي لأنّ أغلب وأكثر المعارك والحروب تنتهي على طاولة المفاوضات، وحتى لا ينصبّ الجهد الوطني في صالح غير الجهات الوطنية، فإنّ لبنان المقاوم يحتاج أيضاً إلى الجهد الدبلوماسي والقرار السيادي المستقل، فإذا ما تعامل لبنان الرسمي ولبنان المقاوم مع مرحلة التفاوض الكبرى بين أميركا وإيران لإنهاء الحرب والخروج منها من أجل إنهاء الحرب في لبنان فإنّ لبنان سيدفع الثمن ولن يكون مشمولاً بأيّ اتفاق خارجي، وإذا ما تمّ التفاهم على مواجهة هذه المرحلة بتفّهم ونظرة واقعية للمستقبل ولمصلحة البلد، فإنّ فرص إنهاء الحرب في لبنان ستكون أفضل ولصالح الوطن.

العفو العام الاستنسابي!
العدد 1716 /20-5-2026 د. وائل نجم

آخر ما تمخّضت عنه جلسات اللجان النيّابية المشتركة بخصوص مشروع قانون العفو العام هو إدخال بعض التعديلات على هذا المشروع ومن ثمّ إقراره في اللجان وإحالته إلى رئاسة المجلس النيابي التي حدّدت موعداً لمناقشة هذا المشروع والتصويت عليه يوم الخميس الواقع في 21 أيّار/مايو . الصيغة التي أقرّتها اللجان النيابية المشتركة في ضوء التعديلات التي أدخلتها على مشروع القانون فرّغته من مضمونه أو بتوصيف أكثر دقّة، حرفته عن هدفه الرئيسي. ففكرة المشروع انطلقت أساساً لإيجاد حلّ ومخرج لمحاكمة وإقفال ملف الموقوفين الإسلاميين الذين قبعوا في السجون لعشرات السنوات من دون محاكمة بحجج وذرائع واهية أفقدت القضاء اللبناني ميزته التي كان يتغنّى بها، لأنّ العديد من هؤلاء الموقوفين خرج من السجن بعد توقيف دام لسنوات عديدة بحكم البراءة. انطلقت الفكرة لإيجاد حلّ لإنهاء هذه المظلمة، مع أنّ منطق الأمور والقانون، وعدالة القضاء كانت وما زالت تقتضي محاكمة هؤلاء وإصدار أحكام بحقّ من تثبت أيّة تهمة بحقّه تتناسب وهذه التهمة، وإطلاق سراح من لا تثبت أيّة تهمة بحقّه حتى لا يبقى رهن الاحتجاز والتوقيف التعسفي الذي لا تمارسه إلا سلطات الاحتلال الإسرائيلي في سجونها بحقّ المعتقلين الفلسطينيين. ولكن للأسف الصيغة التي رست عليها مناقشات اللجان النيابية المشتركة وأحالتها إلى رئاسة المجلس ومن ثمّ إلى الهيئة العامة، هي صيغة حرفت المشروع عن أساس الفكرة التي وُجد لأجلها، وذهبت النقاشات إلى مكان آخر حيث بات أكثر الذين يمكن أن يستفيدوا من هذا القانون، فيما لو أُقرّ، هم من القتلة والمجرمين وقطّاع الطرق وتجّار ومروجي المخدرات واللصوص، وهؤلاء لم يخضعوا في السجون لتأهيل يمكن أن يعيدهم إلى المجتمع ليعيشوا بحالة طبيعية بين الناس ومعهم، بل ظلّ العديد منهم يمارس تجارة الترويج حتى من داخل السجن، وهو الآن يستعد لتوسيع تجارته فيما لو أُقرّ القانون وخرج من السجن بموجب العفو العام. إنّ هذا يُعدّ بمثابة جريمة موصوفة بحقّ المجتمع أخطر بكثير من كلّ الإدعاءات التي ترمي تهم "الإرهاب" يميناً وشمالاً. التعديلات التي أُدخلت على قانون العفو العام بعد إقراره في اللجان النيابية المشتركة أخرجته من صفة العمومية، فلم يعد "عفواً عاماً" وحوّلته إلى استنسابي إذا ما تمّ إقراره في الهيئة العامة للمجلس بالصيغة التي وردت من اللجان، سيكون قانوناً يستفيد منه القتلة واللصوص وتجّار المخدّرات بشكل أساسي، وسيحرم المظلومين من حقّ المحاكمة أولاً، ومن شمولهم بالعفو العام، وهذه جريمة أخرى تضاف إلى سلسلة الجرائم التي ارتكتب بحقّ الكثير من الأبرياء؛ فضلاً عن ذلك سيشمل هذا العفو أيضاً كلّ المتسببين بالظلم الذي لحق بالكثير من الأبرياء الذين قبعوا في السجون لسنوات طويلة ثمّ خرجوا بعد ذلك بأحكام براءة.! من ينصف هؤلاء؟ ومن يأتيهم بحقّهم؟ ومن يعوّض عليهم معنوياً ومادياً هذه السنوات التي ذهبت من أعمارهم؟! الآمال معلّقة الآن على جلسة الهيئة العامة للمجلس النيابي لإقرار قانون للعفو العام الشامل الذي لا يستثني أحداً، أو عدم إقرار أيّ قانون لأي عفو عام، والذهاب نحو تسريع المحاكمات وإطلاق سراح الموقوفين بغير وجه قانوني وحقّ، والنظر بعد ذلك في اقتراحات تكون من باب تخفيف الأحكام بحقّ المحكومين. أمّا أن يتمّ إقرار قانون يستفيد منه القتلة واللصوص وتجّار المخدّرات، ويُحرم منه الموقوفون من دون محاكمات تحت أيّ عنوان وذريعة وحجّة، فهذا قمّة الاستنسابية والظلم والاستهانة بالقانون وحقوق الإنسان والكرامة الإنسانية فضلاً عن الشراكة الوطنية. إنّ نوّاب الأمة أمام امتحان حقيقي في جلسة يوم الخميس، فإمّا أن يُحكّموا ضمائرهم وينصفوا أولئك الموقوفين منذ عشرات السنين على ذمّة التحقيق، وإمّا أنّهم يسجّلوا على أنفسهم عجزهم عن رفع مظلمة طالت مواطنين أثبت القضاء براءة الكثير منهم بعد أن قبع في السجون لسنوات طويلة. كما وأنّه ومن باب تكافؤ المواطنين أمام القانون فلا يكون هناك تمييز بين مواطن ومواطن، ومن باب انتماء الموقوفين دون محاكمة لمكوّن مؤسّس للكيان اللبناني، ومن باب اللجوء إلى الميثاقية التي يلجأ إليها الكثير من الشركاء عند محطات ومفاصل يمرّ بها البلد، فإنّ النوّاب الذين يمثّلون هذا المكوّن المؤسّس مدعوون في جلسة الهيئة العامة يوم الخميس إلى ممارسة هذه الميثاقية عند التصويت على قانون العفو العام من باب تصحيح الخطأ وإعادة البوصلة إلى مكانها الطبيعي، فلا تكون هناك محاصصة ولا يكون القانون استنسابياً يمنح البعض ممن لا يستحق العفو العام، ويحرم الموقوفين الذين يستحقون محاكمات عادلة أو عفوا عاماً من هذا الحقّ. وأمّا بالنسبة لذوي الموقوفين ولكلّ حريص من المواطنين على سيادة مبدأ القانون والقضاء العادل وقيام دولة المؤسسات، فمن واجبهم الانتباه إلى أنّ هذه "المصيدة" أو "الفخ" ربما يراد منه أخذهم وأخذ البلد إلى مكان آخر تشتعل فيه الفتنة أو على أقلّ تقدير يُصدّر فيه مشهد يعيد ترويج وتسويق شعار "الإرهاب" ومكافحته، وتوجيه ذلك نحو بيئات وساحات معيّنة طالما جرى "شيطنتها" واتهامها زوراً بما ليس فيها. وعليه فإنّ المطلب الأساسي والذي يجب الضغط لتحقيقه إذا لم يشمل العفو العام جميع الموقوفين، هو تسريع محاكماتهم بشكل عادل، وتعويض من تثبت براءته، وهم الأكثرية الساحقة، تعويضاً مادياً ومعنوياً، ومحاكمة كل من ساهم في مظلوميتهم من خلال فبركة الملفات بحقّهم أو التستر على الحقيقة والبراء.

العدالة للموقوفين!
العدد 1715 /13-5-2026 د. وائل نجم

شهدت الأسابيع الأخيرة حراكاً واسعاً ومكثّفاً، خاصة على المستوى النيابي، من أجل إقرار قانون للعفو العام في المجلس النيابي، وذلك بهدف إنهاء مهزلة إيقاف مئات الموقوفين على ذمّة التحقيق من سنوات عديدة ومن دون محاكمات؛ غير أنّ منطق الطائفية من جهة، ومنطق المحاصصة من جهة ثانية، ومنطق الحقد الدفين من جهة ثالثة، ولا أدري إن كان في كلّ هذه وفي غيرها منطق أساساً، أفشل إلى الآن إقرار هذا القانون، ورفْع هذا الظلم والغبن عن الموقوفين، وربما أعاد الأمور إلى المربع الأول، أو ربما أعاد هذا الملف إلى أدراج القضاء والسياسة العرجاء البعيدة كلّ البعد عن إنصاف المواطنين والاعتراف بحقوقهم والمساواة بينهم. فبعد تفعيل مطلب إقرار قانون للعفو العام لإطلاق مئات الموقوفين، وخاصة "الإسلاميين" من السجون بعد مرور سنوات عديدة عليهم دون محاكمة، أو بعد صدور أحكام بالبراءة للكثيرين منهم ولكن بعد مرور هذه السنوات والمأساة، دخلت السياسة والمحاصصة والكيد والحقد على هذا الملف، وتجازوت مطالب البعض والهدف الأساسي من المشروع المقترح وهو إنصاف المظلومين والمغبونين، لتطال المطالب إطلاق المحكومين بترويج المخدرات، والجواسيس، ومرتكبي الجرائم، ولتتشدّد في عدم إطلاق الأشخاص الذين تمّت فبركة ملفات "إرهاب" لهم، أو لحيازتهم على هواتفهم صوراً أو فيديوات لمجموعات مسلحة، أو ربما بعضهم لمساهمتهم في نصرة الشعبين السوري أو الفلسطيني؛ بمعنى آخر راحت مطالب البعض تعمل لتفريغ المشروع الأساسي الذي كان يهدف إلى إقفال هذا الملف الذي يعلم الجميع حجم الظلم الذي وقع فيه على بعض الشبّان الذين فُبركت لهم ملفات تحت عنوان "الإرهاب" ولكن الحقيقة أنّهم أُوقفوا على مواقفهم السياسية أو على رفضهم الكيل بمكيالين في البلد، وقبعوا بعد ذلك في السجون دون محاكمات طيلة سنوات بعضهم تجاوز العشر سنوات وبعضهم أكثر من ذلك، والأشد نكاية أنّ بعضهم أُطلق بعد ذلك بحكم براءة كما حصل مؤخراً مع الشيخ خالد حبلص الذي برّأته المحكمة من تهم مواجهة الجيش اللبناني أو إطلاق النار عليه أو قتل عناصره، وقد قبع في السجن قرابة 14 عاماً. والحقيقة أنّ رفع مطلب العفو العام كان بهدف تيسير إقفال هذا الملف وإنهاء مأساة عشرات بل مئات الموقوفين من دون محاكمة، خاصة وأنّ الظروف التي أوقفوا فيها قد تبدّلت وتغيّرت خاصة بعد إسقاط النظام السوري السابق، والتهم التي أوقفوا عليها، يعلم الجميع أنّ أغلبها ملّفق ومفبرك أو أنّ التوقيف كان على النوايا أو على صورة في هاتف أو كلمة أو شتيمة في معرض نقاش، أو اعتراضاً على عدم المساواة بالحقوق والواجبات بين المواطنين، وفي أصعب الحالات كان على تقديم دعم مادي نصرة للشعب السوري أبّان ثورته، في مقابل انخراط غيرهم من اللبنانيين بشكل علني ومباشر وصريح دعماً للنظام السوري البائد مع ما جرّه ذلك من ويلات على لبنان واللبنانيين، من دون أن يمسّ هؤلاء أي سوء أو توقيف أو اتهام كما لو أنّ هناك صيف وشتاء تحت سقف واحد في هذا البلد وهو كذلك. أمّا وقد حاول البعض إجهاض مسعى إقرار قانون العفو العام عن الموقوفين "الإسلاميين" وعن غيرهم ممن وقع عليه ظلم أو غبن أو تمّ إهمال محاكمته طيلة سنوات بذرائع واهية ولكن لأسباب سياسية كما بات معلوماً للجميع، فإنّ المطلوب الآن محاكمة هؤلاء محاكمة عادلة وفتح جميع الملفات المتصلة بهم وبالتهم الموجّهة إليهم، وعدم الإبطاء ولو للحظة واحدة وتحت أيّ اعتبار أو ذريعة في البدء بمحاكمتهم وإطلاق سراح من تثبت براءته، ومحاكمة من تثبت إدانته وفق القانون المعمول به، ومن ثمّ تعويض كلّ موقوف عن السنوات التي قضاها في السجن من دون وجه حقّ تعويضاً معنوياً ومادياً، ومحاكمة من تسبّب بهذا المظلمة الكبيرة التي لا يعوّضها شيء، وبالتالي فتح باب محاكمة كلّ مسؤول في أّيّ موقع كان، على تسبّبه بهذا الظلم الذي ألحقه بغيره طيلة عشرات السنوات، عن قصد وفبركة أو عن غير قصد. آن للبنان أن يخرج من منطق المحاصصة والزبائنية إلى كنف دولة القانون والمؤسسات، وآن الأوان للشروع في مرحلة العدالة الانتقالية التي تُشعر المواطنين بحرّيتهم وكرامتهم وأنّ لهم حقوقاً وعليم واجبات في هذا البلد، لا الدخول مجدّداً في منطق التسويات التي تُعفي الكثيرين من مسؤوليتهم التي ألحقوا من خلالها مظلمة كبيرة بغيرهم من المواطنين. العفو العام في حقيقته وجوهره ليس إطلاقاً للموقوفين من دون محاكمة بقدر ما هو أعفاء للمسؤولين عن هذه المظلمة الكبيرة عن مسؤوليتهم في الزجّ بهذه الأعداد الكبيرة في السجون طيلة هذه السنوات ومن دون محاكمات، ولذلك المطلب بعد الآن يجب أن يكون عدالة انتقالية لا عفواً عاماً.

الحصار البحري الأميركي لإيران… بين شبح الحرب وفرصة التفاوض
العدد 1714 /6-5-2026 بسام غنوم

دخل التصعيد الأميركي الإيراني مرحلة غير مسبوقة مع تشديد واشنطن للحصار البحري على الموانئ الإيرانية، وربط رفعه بالتوصل إلى اتفاق جديد يقيّد البرنامج النووي الإيراني بشكل كامل. وفي المقابل، تحاول طهران تحويل الضغط العسكري والاقتصادي إلى ورقة تفاوض عبر اقتراحات مرحلية تتضمن فتح مضيق هرمز وتهدئة المواجهة مقابل ضمانات أمنية وتخفيف العقوبات.

انقسام القرار بين الدولة وحزب الله: هل يضعف موقع لبنان التفاوضي؟
العدد 1713 /29-4-2026 بسام غنوم

يشكّل الخلاف بين حزب الله والحكومة اللبنانية حول إدارة ملف المفاوضات مع إسرائيل أحد أبرز التحديات السياسية التي تواجه لبنان في المرحلة الراهنة، خاصة في ظل حساسية هذا الملف وارتباطه بالسيادة والأمن والاستقرار الإقليمي. ويطرح هذا التباين في المواقف تساؤلات مشروعة حول مدى تأثيره على موقع الدولة اللبنانية التفاوضي، وقدرتها على تحقيق مكاسب أو حتى الحفاظ على حقوقها. من الناحية النظرية، يفترض أن تتسم أي دولة تدخل مفاوضات حساسة بوحدة الموقف الداخلي، لأن الانقسام يبعث برسائل ضعف إلى الطرف المقابل. في الحالة اللبنانية، يبدو المشهد أكثر تعقيداً، إذ لا يقتصر الأمر على اختلاف سياسي تقليدي، بل يمتد إلى تباين في المرجعيات والآليات. فالحكومة اللبنانية، بوصفها الجهة الرسمية المعترف بها دولياً، تسعى إلى إدارة المفاوضات ضمن الأطر الدبلوماسية والقانونية، بينما يحتفظ حزب الله بمقاربة مختلفة تستند إلى معادلة “المقاومة” كعامل ضغط موازٍ. هذا التباين قد يُفسَّر خارجياً على أنه غياب لمرجعية قرار موحّدة، ما قد يضعف القدرة التفاوضية للحكومة. فإسرائيل، أو أي وسيط دولي، قد يجد في هذا الانقسام فرصة للمناورة أو فرض شروط أكثر تشدداً، مستفيداً من عدم وضوح الجهة التي تملك الكلمة الفصل. كما أن تعدد الخطابات يخلق إرباكاً في الرسائل السياسية، وهو عنصر أساسي في أي عملية تفاوض ناجحة. في المقابل، يرى البعض أن وجود “أوراق قوة” خارج الإطار الرسمي، مثل قدرات حزب الله، قد يعزز موقف لبنان بشكل غير مباشر. فالتاريخ الحديث يُظهر أن التوازنات الميدانية تؤثر في نتائج التفاوض، وأن القوة الصلبة أحياناً تفرض نفسها كعامل مكمل للدبلوماسية. إلا أن هذه المقاربة تبقى محفوفة بالمخاطر، إذ قد تؤدي إلى خلط بين القرار السيادي والمؤثرات غير الرسمية، ما يضعف مؤسسات الدولة على المدى الطويل. المشكلة الأساسية لا تكمن فقط في وجود اختلاف، بل في غياب آلية واضحة لإدارته. ففي الدول المستقرة، يمكن احتواء التباينات ضمن مؤسسات دستورية تضمن وحدة القرار النهائي. أما في لبنان، حيث التوازنات الطائفية والسياسية دقيقة، فإن أي خلاف يتحول بسرعة إلى عامل شلل أو انقسام علني، وهو ما ينعكس سلباً على صورة الدولة أمام المجتمع الدولي. من جهة أخرى، لا يمكن تجاهل أن المجتمع الدولي يفضّل التعامل مع جهة رسمية واحدة. أي تشكيك في قدرة الحكومة على تمثيل لبنان بشكل حصري يضعف ثقة الوسطاء، ويجعل عملية التفاوض أكثر تعقيداً. وهذا ما قد يؤدي إلى إطالة أمد المفاوضات أو تقليص هامش المكاسب الممكنة. في المحصلة، يمكن القول إن الخلاف بين حزب الله والحكومة اللبنانية لا يخدم الموقف التفاوضي للدولة، بل يضعفه في حدوده الدنيا ويعقّده في حدوده القصوى. فحتى لو وُجدت عناصر قوة خارج الإطار الرسمي، فإن غياب التنسيق المؤسسي يحوّل هذه القوة إلى عامل إرباك بدلاً من أن تكون رافعة وطنية. الحل لا يكمن بالضرورة في إنهاء الاختلاف، بل في تنظيمه ضمن استراتيجية وطنية واضحة، تُحدّد الأدوار وتوحّد الخطاب النهائي. فالتفاوض، في جوهره، ليس فقط صراع مصالح مع طرف خارجي، بل هو أيضاً اختبار لقدرة الدولة على إدارة تناقضاتها الداخلية وتحويلها إلى عناصر قوة بدل أن تكون نقاط ضعف. بسام غنوم

بين هدنة هشة واحتمالات التصعيد: هل يصمد وقف إطلاق النار في لبنان؟
العدد 1712 /22-4-2026 بسام غنوم

في ظل الواقع الإقليمي المضطرب، يبدو وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل أقرب إلى هدنة مؤقتة منه إلى تسوية مستدامة. فالتاريخ الطويل من المواجهات، وتعقيدات التوازنات الداخلية والإقليمية، يجعلان من الصعب الجزم بأن الأوضاع ستعود إلى ما كانت عليه قبل الاتفاق، أو أن الهدوء الحالي سيصمد لفترة طويلة. من الناحية الميدانية، لا تزال عوامل التوتر قائمة. الحدود الجنوبية للبنان تشهد حالة من “الهدوء الحذر”، حيث تترافق التهدئة مع استنفار غير معلن. أي حادث أمني محدود—سواء كان خطأً تكتيكياً أو رسالة محسوبة—قد يتحول سريعاً إلى شرارة تصعيد. هذا النمط من “الاستقرار الهش” ليس جديداً، بل تكرر في محطات سابقة، حيث بقيت الجبهة قابلة للاشتعال رغم الاتفاقات. سياسياً، يرتبط صمود وقف إطلاق النار بجملة عوامل داخلية وخارجية. في لبنان، يعاني النظام السياسي من انقسامات حادة وأزمة اقتصادية عميقة، ما يضعف قدرته على فرض رؤية موحدة تجاه ملف الحرب والسلم. في المقابل، تخضع إسرائيل أيضاً لحسابات داخلية وضغوط أمنية تدفعها أحياناً إلى تبني سياسات أكثر تشدداً. هذه التوازنات تجعل القرار العسكري لدى الطرفين رهينة لحسابات تتجاوز حدود الجغرافيا اللبنانية. إقليمياً، لا يمكن فصل المشهد عن الصراع الأوسع في المنطقة. أي تصعيد بين قوى كبرى أو أطراف إقليمية قد ينعكس مباشرة على الساحة اللبنانية. فلبنان غالباً ما يكون ساحة تداخل للرسائل السياسية والعسكرية، ما يعني أن استقرار حدوده الجنوبية مرتبط بتفاهمات غير مكتوبة بين قوى خارجية. أما على المستوى الدولي، فهناك رغبة واضحة في منع الانزلاق إلى حرب شاملة، نظراً لما قد تحمله من تداعيات كارثية على المنطقة. الضغوط الدبلوماسية، والتحركات عبر القنوات الخلفية، تلعب دوراً أساسياً في تثبيت وقف إطلاق النار، ولو بشكل مؤقت. غير أن هذه الجهود تبقى عرضة للاهتزاز في حال تغيرت أولويات القوى الدولية أو انشغلت بأزمات أخرى. السؤال الجوهري يبقى: هل يمكن العودة إلى ما قبل التصعيد؟ الواقع يشير إلى أن “العودة الكاملة” باتت شبه مستحيلة. فكل جولة مواجهة تترك آثاراً جديدة، سواء على مستوى البنية التحتية أو التوازنات العسكرية أو المزاج الشعبي. وبالتالي، فإن أي مرحلة لاحقة تكون مختلفة بطبيعتها، حتى وإن بدا المشهد الخارجي مشابهاً. في المقابل، صمود وقف إطلاق النار ليس مستحيلاً، لكنه مشروط. يحتاج ذلك إلى توافر إرادة سياسية لدى الأطراف المعنية لتجنب التصعيد، وإلى استمرار الضغط الدولي، إضافة إلى ضبط الميدان ومنع الانجرار إلى ردود فعل غير محسوبة. كما أن تحسين الأوضاع الاقتصادية في لبنان قد يسهم بشكل غير مباشر في تقليل احتمالات الانفجار. في المحصلة، يقف لبنان اليوم عند مفترق دقيق: بين هدنة قابلة للاستمرار إذا توافرت شروطها، وتصعيد محتمل إذا اختلت هذه الشروط. وبين هذين الخيارين، يبقى العامل الحاسم هو قدرة الأطراف على إدارة التوتر، لا إنهائه. فالهدوء الحالي ليس سلاماً دائماً، بل استراحة مؤقتة في صراع لم تُحسم أسبابه بعد.

12345678910...