العدد 1696 /31-12-2025

سامر إلياس

مرة جديدة أعلنت روسيا ليل الاحد الاثنين عن محاولة اغتيال تعرض لها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عبر مهاجمة مقر إقامته في منطقة نوفغورود، موجهة أصابع الاتهام نحو أوكرانيا، وموظفةً الإعلان الذي لم تقدم بشأنه أي دليل لتشديد موقفها في مفاوضات إنهاء الحرب الأوكرانية. وبينما ذهب الكرملين لوضع محاولة اغتيال بوتين في إطار استهداف كييف جهود الرئيس الأميركي دونالد ترامب لإيجاد حل سلمي للحرب، كان المسؤولون الروس يتوعدون بالرد في مؤشر لنيّات تصعيد عسكري.

في المقابل، نفت كييف محاولتها اغتيال بوتين، موضحة أن موسكو لم تقدّم "أدلة معقولة" على اتهامها بالهجوم. وقال وزير الخارجية الأوكراني أندري سيبيغا، في منشور على منصة إكس، أمس الثلاثاء: "مرّ يوم تقريباً ولم تقدم روسيا أي دليل معقول على اتهامها أوكرانيا بشن هجوم مزعوم على مقر إقامة بوتين. ولن تفعل ذلك، لأنه لا يوجد أي دليل. لم يقع هجوم كهذا".

ووصف المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف، للصحافيين أمس الثلاثاء، محاولة الهجوم على مقر إقامة بوتين في فالداي في منطقة نوفغورود، الواقعة بين موسكو وسانت بطرسبرغ، أول من أمس الاثنين، بأنها "عمل إرهابي يهدف إلى عرقلة عملية التفاوض". واعتبر أن محاولة اغتيال بوتين "ليست موجهة ضد بوتين شخصياً فحسب، بل أود أن أذكر بخطاب (الرئيس الأوكراني فولوديمير) زيلينسكي بمناسبة عيد الميلاد، والكلمات التي وجهها إلى بوتين. كما أنها موجهة ضد (الرئيس الأميركي دونالد) ترامب، وتهدف إلى عرقلة جهوده لتيسير حل سلمي للنزاع الأوكراني". وأشار إلى أن روسيا "ستشدد" موقفها في المفاوضات الرامية لإنهاء حرب أوكرانيا، بسبب "الهجوم" الذي تزعم موسكو وقوعه. وقال: "هذا العمل الإرهابي يهدف إلى إفشال عملية التفاوض، ستكون النتيجة الدبلوماسية هي تشديد الموقف التفاوضي لروسيا الاتحادية"، لكنه شدد على أن "روسيا لن تنسحب من عملية التفاوض، وستواصل روسيا بطبيعة الحال عملية التفاوض والحوار"، خاصة مع الجانب الأميركي.

تشكيك بمحاولة اغتيال بوتين

ورداً على تقارير شككت في محاولة اغتيال بوتين في فالداي قال بيسكوف: "يحاول زيلينسكي إنكار ذلك، وقد بدأت العديد من وسائل الإعلام الغربية، المتواطئة مع نظام كييف، في ترويج رواية مفادها بأن ذلك لم يحدث. لكن هذا ادعاء لا أساس له من الصحة. لقد كان هجوماً ضخماً بطائرات مسيّرة، تم إسقاطها وتحييدها بفضل العمل المنسق جيداً لمنظومة الدفاع الجوي". وأحال بيسكوف الإجابة حول الأدلة وحطام الطائرات إلى وزارة الدفاع، قائلاً: "بالنسبة للحطام، لا يمكنني الإدلاء بأي تصريح. فهذا شأن يخص جيشنا". وحول التداعيات العسكرية لمحاولات كييف مهاجمة مقر إقامة بوتين، قال بيسكوف: "عسكريّونا يعرفون كيف وبأي وسيلة ومتى سيكون الرد".

وكان وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أعلن، الاثنين الماضي، أن أوكرانيا حاولت ليل الاحد الاثنين استهداف مقر رسمي لبوتين في نوفغورود باستخدام 91 مسيّرة، معتبراً أن كييف لجأت إلى "إرهاب الدولة". ومع إشارته إلى أن روسيا لن تنسحب من المفاوضات بشأن أوكرانيا بسبب الهجوم، شدد لافروف على أنه "سيُعاد النظر في النهج التفاوضي لروسيا مع الأخذ في الاعتبار الانتقال الحاسم لنظام كييف إلى سياسة إرهاب الدولة". وتوعد بالرد على الهجوم، مشيراً إلى أنه تم تحديد أهداف وتوقيت الرد الروسي. واللافت أن الإعلان عن الهجوم جاء على لسان لافروف، فيما من غير المعروف ما إذا كان الهدف لفت الانتباه أكثر إلى تداعيات الهجوم على الحرب والمفاوضات الدائرة لإنهائها.

وفي تقريره اليومي عن الحرب الروسية على أوكرانيا، شكك معهد دراسة الحرب الأميركي، أمس الثلاثاء، في محاولة اغتيال بوتين في مقره في فالداي. وأشار خبراء المعهد في تقرير إلى أنه "عادة ما تسفر الضربات الأوكرانية المؤكدة في روسيا عن أدلة يمكن رصدها في المصادر المفتوحة. تشمل هذه الأدلة لقطات فيديو، غالباً ما تكون مُحددة الموقع الجغرافي، لعمليات الدفاع الجوي، والانفجارات، والحرائق، أو أعمدة الدخان بالقرب من الأهداف، وتصريحات من السلطات الروسية المحلية والإقليمية، والتي عادة ما تقلل من شأن الضربات الأوكرانية الناجحة". وأوضح التقرير أنه "لم يتم رصد أي لقطات فيديو من هذا القبيل، ولا أي تقارير محلية أو إقليمية حول ضربات أوكرانية بالقرب من مقر إقامة بوتين لتأكيد ادعاء لافروف". وأشار خبراء المعهد إلى أن "ادعاء لافروف يتعارض مع ادعاء وزارة الدفاع الروسية بأن القوات الروسية أسقطت 47 طائرة مسيّرة أوكرانية فوق المقاطعة ليلة 28 إلى 29 ديسمبر/كانون الأول الحالي، ما يضعف هذا الادعاء".

من جانبها، ذكرت وكالة الأنباء الروسية المعارضة "سوتا"، في تغريدة على إكس الثلاثاء، أن سكان فالداي لم يسمعوا أي عمليات للدفاعات الجوية الروسية خلال الليل، على الرغم من أن الدفاعات الجوية كانت ستضطر للعمل لإسقاط ما يصل إلى 91 مسيّرة أوكرانية. وذكرت "سوتا" أن المسيّرات التي تطلق من الحدود الشمالية لأوكرانيا كان عليها أن تعبر المجال الجوي الروسي شديد الحماية، بما في ذلك العديد من منشآت قوات الصواريخ الاستراتيجية، ووحدات الدفاع الجوي، والطيران العسكري، وغيرها من الأصول التي إما تخضع لحماية دفاعية جوية مكثفة أو تعمل كمظلة للدفاع الجوي الروسي. واعتبرت أن أوكرانيا كانت ستتمكن من ضرب مقر إقامة بوتين في فالداي إما عن طريق "معجزة" أو إهمال عسكري روسي متعمد.

مسيّرات فوق الكرملين

وهذه ليست المرة الأولى التي توجه فيها روسيا اتهامات لأوكرانيا بمحاولة اغتيال بوتين. وفي 3 مايو/أيار 2023، أسقطت الدفاعات الجوية الروسية مسيّرتان فوق الكرملين. وقال الكرملين، في بيان وقتها، إن "النظام الأوكراني حاول استهداف الكرملين بطائرتين مسيّرتين"، واصفاً الهجوم بأنه "عمل إرهابي ومحاولة اغتيال رئيس روسيا الاتحادية". ومع تأكيده أن بوتين لم يكن موجوداً في الكرملين أثناء الهجوم، وأن جدول أعماله لم يتغير، أوضح البيان أنه تم التعامل مع المسيّرتين وأن حطامهما سقط داخل الكرملين من دون إلحاق أي خسائر. ووجّه إسقاط المسيّرتين ضربة معنوية كبيرة لروسيا، فتحليقهما وإسقاطهما جرى في قلب موسكو، وتحديداً الكرملين برمزيته السياسية والتاريخية. كما أن الاستهداف جاء قبل أيام من الاستعدادات للاحتفال بيوم النصر على النازية، ما كشف عن ثغرات أمنية كبيرة، ومخاطر من عدم القدرة على حماية أهم مركز لصناعة القرار في البلاد. ونفى زيلينسكي، حينها، أي دور لبلاده في الهجمات.

وكانت صحيفة "صن" البريطانية ذكرت، في تقرير في 16 سبتمبر/أيلول 2022، أن بوتين تعرض لخمس محاولات اغتيال، من ضمنها واحدة في أذربيجان في يناير/كانون الثاني 2002، واعتقل على أثرها عراقي على صلة بأفغانستان والمتمردين الشيشان، قيل بأنه خطط لقتل الرئيس الروسي، موضحة أن القوات الأمنية الأذربيجانية علمت بالمؤامرة واعتقلت الرجل، وقد حكم عليه بالسجن 10 سنوات. وأشارت "صن" إلى محاولة اغتيال بوتين في نوفمبر/تشرين الثاني 2002 في موسكو، مشيرة إلى أن موكبه غير طريقه إلى الكرملين بعد اكتشاف 40 كيلوغراماً من المتفجرات على الطريق الذي كان من المفترض أن يسلكه الموكب. وذكر تقرير الصحيفة أن شرطة مكافحة الإرهاب البريطانية أحبطت مؤامرة لاغتيال بوتين في أكتوبر/ تشرين الأول 2003، مشيرة إلى اعتقال شخصين خططا لمحاولة اغتيال بوتين وذلك لفترة قصيرة قبل أن يتم الإفراج عنهما دون توجيه اتهامات لهما. وفي 2003 نشرت مواقع روسية أن بوتين تعرض لمحاولة اغتيال في سانت بطرسبورغ على يد شيشانيين.

تعاون أوكراني روسي أحبط محاولة اغتيال بوتين

وفي 28 فبراير/ شباط 2012، وقبل أيام من الانتخابات الرئاسية التي عاد فيها بوتين إلى الكرملين للمرة الثالثة، أعلن مسؤولون أمنيون أوكرانيون وروس كشفهم مؤامرة دبرتها جماعة إرهابية مرتبطة بالشيشان لاغتيال بوتين. وذكرت محطة "روسيا 1" في تقرير، وقتها، أن أشخاصاً مرتبطين بزعيم الإرهابيين الشيشانيين، دوكو عمروف، اعتقلوا في مدينة أوديسا الأوكرانية. وقال متحدث باسم جهاز الأمن الفيدرالي الأوكراني، وقتها، إن إرهابيين يعملون تحت إمرة عمروف كانوا يخططون لعملية اغتيال بوتين باستخدام لغم بعد الانتخابات الرئاسية. ورغم تأكيد بيسكوف، وقتها، وجود المؤامرة بشكل غير مباشر، إلا أن محللين رأوا أن هذا الخبر، الذي نُشر قبل أيام قليلة من الانتخابات الرئاسة، كان يهدف أساساً إلى تعزيز شعبية بوتين.

محاولة اغتيال في طهران

وكشفت السلطات الروسية في 14 أكتوبر 2007 عن توفر معلومات لديها حول احتمال تعرض بوتين لمحاولة اغتيال أثناء زيارته طهران التي كانت مقررة بعدها بيوم لحضور قمة زعماء الدول المطلة على بحر قزوين. ومن المؤكد أن أي محاولة لاغتيال الرئيس الروسي تمثل اختراقاً كبيراً نظراً للإجراءات الأمنية المتخذة أثناء تنقلاته الداخلية والخارجية وحتى مشاركاته في المؤتمرات، لكن السلطات الروسية ربما تغامر بكشف ضعفها لاستثمار محاولات اغتيال بوتين لأهداف سياسية ودعائية ربما تكشف عنها الأيام المقبلة بعد إعلان إحباط هجوم فالداي.