العدد1726 /29-7-2026

لم تعد أزمة الكهرباء في تونس مجرد اضطراب ظرفي في التزود بالطاقة، بل أصبحت تتويجاً لمسار طويل من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية المتراكمة التي بدأت منذ أكثر من عقد، وتفاقمت بشكل غير مسبوق خلال السنوات الأخيرة، لتطاول مختلف الفئات الاجتماعية، بما في ذلك الطبقات الميسورة والمؤسسات الاقتصادية الكبرى. فبعد سنوات من التضخم، وتراجع القدرة الشرائية، وارتفاع البطالة، واتساع رقعة الفقر، ونقص المواد الأساسية، وشح المياه، جاءت أزمة الكهرباء لتكشف هشاشة المنظومة الاقتصادية والبنية التحتية، ولتدفع التونسيين إلى تنفيذ أكثر من 1880 احتجاجاً في الشوارع خلال الربع الثاني من العام، رفضاً لما يصفونه بـ"تآكل مقومات العيش والإنتاج"، حسب المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية.

وتشهد تونس خلال الأيام الماضية، تزامناً مع تصاعد أزمة انقطاع الكهرباء، موجة غضب شعبي في مختلف محافظات البلاد؛ حيث يطالب المواطنون باستعادة أبسط مقومات الحياة وتحسين الخدمات العامة، بينما تتجه السلطات إلى الشروع في تنفيذ مخطط تنمية جديد خصصت له نحو 21 مليار دولار من الاستثمارات التي ستُضخ على مدى السنوات الخمس القادمة.

ولا تُعد الأزمات المعيشية التي يمر بها التونسيون من غلاء المعيشة وانهيار الخدمات العامة مستجدة؛ حيث شهد الاقتصاد على مدار سنوات تباطؤاً مستمراً في النمو لم تتمكن الحكومات المتعاقبة من معالجته واستعادة نسق الاستثمار والإنتاج. كما تعرضت البلاد لسلسلة من الصدمات، من بينها الهجمات الإرهابية، ثم جائحة كورونا، وبعدها تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية، قبل أن تدخل مرحلة من الاختلالات المالية الحادة وارتفاع المديونية وشح التمويلات الخارجية منذ سنة 2021.

ويفسر الخبير المالي آرام بالحاج أسباب تفاقم الأزمات المعيشية التي تنذر بانفجار الوضع الاجتماعي بأنها نتيجة حتمية لغياب فكر استراتيجي واستباق للمتغيرات، وبالتالي لانعدام سياسات عمومية فعّالة. وقال بالحاج في تصريح لـ"العربي الجديد" إن ما تعيشه تونس اليوم ليس إلا بداية لمرحلة قد تكون أصعب بكثير في المستقبل للأسباب ذاتها، مؤكداً أن كل المعطيات تُشير إلى حقيقة مرّة، وهي أن الاقتصاد التونسي سيتهاوى في قادم السنوات جرّاء تراكم بطيء لعجز استثماري وتشوّه تسعيري وحوكمة فاشلة، إلى جانب الصدمات الخارجية المتتالية.

ووفق الخبير المالي فإن السلطات مطالبة باتخاذ إجراءات آنية لتفادي الانهيار المحتوم؛ من بينها إنشاء خلية أزمة متعددة القطاعات تحت إشراف السلطات العليا، وتأمين تغذية كهربائية مستمرة وغير قابلة للتقنين خاصة للمرافق الحيوية بالتنسيق مع البلدان المجاورة، إلى جانب الاعتماد التدريجي لحقيقة الأسعار خاصة للمستهلكين الكبار، وتسريع حاسم لدخول مشاريع الطاقات المتجددة حيز الاستغلال مع فتح الإنتاج لمنتجين مستقلين يتجاوز نطاق الطاقات المتجددة ليشمل الطاقة التقليدية.

وفي شهر إبريل/نيسان الماضي، كشف تقرير صادر عن صندوق النقد الدولي عن آفاق الاقتصاد التونسي خلال الفترة الممتدة ما بين 2026 و2031 أن البلاد لا تشق طريقها نحو التعافي؛ إذ تشير التوقعات المتعلقة بنمو الناتج المحلي الإجمالي إلى أن نسبة النمو ستبلغ 2.1% سنة 2026، ثم تنخفض إلى 1.6% في 2027، وتستقر عند 1.5% خلال السنوات 2028 و2029 و2030 و2031. وتعني هذه البيانات أن الاقتصاد التونسي سيستمر في تحقيق نمو ضعيف لخمس سنوات أخرى، وهو ما سيحد من قدرة البلاد على خلق فرص عمل جديدة أو تحسين الظروف المعيشية للتونسيين، بسبب العجز الهيكلي المستدام في تعزيز إنتاجية الاقتصاد التونسي وقدرته على خلق الثروة.

كما تشير التوقعات إلى ارتفاع معدل التضخم من 7% سنة 2026 إلى 7.6% في 2027، ثم 8.3% في 2028، و8.6% في 2029، و9.2% في 2030، ليصل إلى 9.9% في 2031. ويرى الخبير المالي أن كل المؤشرات كانت تظهر منذ أشهر أن تراكم عوامل ضغط اقتصادية يُنذر بـ"صيف ساخن" على تونس، وهو ما تؤكده الوقائع منذ أسابيع؛ حيث أصبحت المؤسسات التي يُفترض أن تقدم الخدمات العامة الأساسية للمواطنين تنكّل بالمؤسسات الاقتصادية ذات الإمكانيات المحدودة وبالأفراد، وسط مديونية كبيرة وغياب للتخطيط والاستباق، وهو ما سينعكس لاحقاً على نسب النمو العامة وقدرة الاقتصاد على استيعاب طالبي الشغل.

وفي تونس يترافق تهاوي مستوى الخدمات العامة مع موجات تضخم قياسية، وارتفاع متواصل في أسعار المواد الغذائية والخدمات، مقابل ركود الأجور وتراجع قيمة الدينار، مما أدى إلى تآكل غير مسبوق للقدرة الشرائية. كما تعمقت أزمة البطالة، خاصة في صفوف الشباب وخريجي الجامعات الذين تتجاوز بطالتهم نسبة 30%، مما يدفعهم إلى الاحتجاج وتنفيذ الاعتصامات أمام المقار الحكومية بشكل متواتر.

ذروة الغضب في تونس

مع موجات الحر القياسية التي تمر بها البلاد منذ أسابيع (تجاوزت درجات الحرارة الـ48 في بعض المناطق)، بلغت أزمة الكهرباء ذروتها، بعدما اضطرت الشركة التونسية للكهرباء والغاز إلى توسيع برامج قطع التيار لساعات طويلة شملت كامل المحافظات، بسبب عدم قدرة منظومة الإنتاج على مجاراة الطلب القياسي على الكهرباء. وسبّبت الانقطاعات المتكررة شللاً واسعاً للحياة اليومية؛ إذ تعطلت الأنشطة الاقتصادية، وتضررت المؤسسات الصناعية والتجارية، وتعطلت الخدمات الصحية، كما فقد آلاف المواطنين إمكانية تخزين الأغذية أو تشغيل أجهزة التكييف في ظل درجات حرارة قياسية.

كما لم يعد تأثير الأزمة مقتصراً على الأسر محدودة الدخل، بل امتد إلى الطبقات المتوسطة والميسورة التي وجدت نفسها عاجزة عن حماية ممتلكاتها أو ضمان استمرارية أعمالها رغم اقتناء مولدات كهربائية أو بطاريات احتياطية، في ظل ارتفاع أسعار هذه المعدات ونقصها في الأسواق. كذلك تكبدت قطاعات إنتاجية حيوية خسائر متزايدة بسبب اضطراب التزود بالكهرباء، خصوصاً الصناعات الغذائية والنسيج والصناعات الميكانيكية والإلكترونية، وهي قطاعات تعتمد عليها تونس في الصادرات وتشغيل عشرات الآلاف من العمال، كما تضررت الفلاحة نتيجة اضطراب ضخ مياه الري.

ويشير الخبير الاقتصادي العربي بن بوهالي إلى أن مواصلة اعتماد سلطات تونس على ما يُسمى بـ"الأموال السحرية" القادمة من خزينة البنك المركزي عبر التمويل المباشر لخزينة الدولة لن ينقذ الاقتصاد، مشيراً إلى أن تونس بحاجة إلى احتياطيات من العملة الصعبة تكفي لتغطية الواردات لمدة 150 يوماً على الأقل، إلى جانب إصلاح منظومة دعم الطاقة والغذاء لتوفير السيولة اللازمة لدعم الشركة التونسية للكهرباء والغاز.

وقال بن بوهالي في تصريح لـ"العربي الجديد" إن "العجز المزدوج" (عجز الميزانية والعجز التجاري) سيُغرق تونس في الديون ويؤدي إلى فقدانها لسيادتها في مجال الطاقة. وأشار المتحدث إلى أن الاقتصاد المحلي لم يحقق طوال السنوات الماضية نمواً حقيقياً، بينما واصل تراكم الديون العامة عاماً بعد عام، مما أدى إلى بقاء معدل البطالة ثابتاً عند 15% وفاقم طوابير طالبي الشغل.

ويرى اقتصاديون أن أزمة الكهرباء لن تكون مجرد أزمة خدمات، بل ستنعكس مباشرة على سوق الشغل؛ إذ بدأت بعض المؤسسات في تقليص ساعات العمل أو تعليق الإنتاج، فيما قد تضطر شركات أخرى إلى تسريح جزء من العمال إذا استمرت الانقطاعات لفترات طويلة.

ويخشى رئيس المنظمة الوطنية للمؤسسات الصغرى والمتوسطة عبد الرزاق حواص من أن تؤدي الأزمة إلى توسع الاقتصاد غير المنظم وتسارع هجرة الكفاءات؛ باعتبار أن تراجع فرص التشغيل يدفع الشباب إلى البحث عن فرص خارج البلاد.

وقال حواص إن غياب استراتيجية اقتصادية متكاملة لمعالجة البطالة وتحفيز الاستثمار والإنتاج جعل الاقتصاد التونسي أكثر هشاشة أمام الصدمات، وهو ما يفسر انتقال الأزمات من قطاع إلى آخر دون احتوائها.

وأضاف: "كانت التوقعات تشير إلى نمو اقتصادي ضعيف أصلاً خلال عام 2026، إلا أن أزمة الكهرباء قد تدفع نحو مزيد من التراجع، خاصة مع تأثيرها المباشر على الإنتاج الصناعي والصادرات والسياحة والاستثمار". واعتبر المتحدث أن ضعف النمو يعني انخفاض الإيرادات الجبائية، واتساع العجز المالي، وتراجع قدرة الدولة على تمويل الخدمات العمومية والاستثمارات، ما يهدد بدخول الاقتصاد في حلقة مفرغة من التباطؤ والبطالة وارتفاع المديونية.