العدد 1433 / 21-10-2020
بقلم المهندس عبد الله بابتي

ما يجري في لبنان من مآسي ونكبات كثير وفظيع، لكن الأخطر منه أن تستمر هذه الذهنية المدمرة للحجر والبشر معاً، بل للعيش والاستقرار منعاً لبلوغ المواطن حياة كريمة تليق به كإنسان .

 

هذه المقدمة نسطرها ونحن في أتعس حال مع هذا النظام الذي لا يخرج من أزمة حتى يتحفنا بأخرى أشد منها قساوة وأفدح خسارة !!

لكن ماذا اليوم عن خطة الإنقاذ والإصلاح وقد وفدت ملامحها كمبادرة من رئيس فرنسا وهي الأم الحنون بعرف كثير من المراجع والقيادات ؟! كما العهد وأركانه السياسيون ومعظمهم حرصوا على نجاحها والخروج من المأزق بأقصى سرعة ممكنة ولكنهم فعلياً هم أنفسهم من يمارسون إفراغها والإصرار المعلن والخفي على إجهاضها إذا لم تلبِ طموحاتهم الشخصية ومصالح تكتلاتهم الحزبية، كأن البلد بألف خير بعد إفلاس اقتصاده وانتشار الوباء القاتل فيه وبلوغ الانهيار الكامل له !؟ وماذا يرى هذا الشعب المسحوق غير المماحكة واللامبالاة في كل ما يقدمون عليه من خطط يسمونها إنقاذاً وهي تخفي إصرارهم على العبث بكل شيء ولا فرق عندهم كم بلغت نسبة الفقر المدقع(70%) لدى الناس وشاعت معالم الظلم والانتحار والهجرة والجريمة وكلها أصبحت قدراً لا يحتمل كواقع مسلم به وكأن الأمرلا يعنيهم في شيء.

ونحن هنا أمام قضيتين أساسيتين نتوقف عندهما بعدها نصل إلى الحل الناجح والتوجه الصحيح للإنقاذ المنشود .

أما القضية الأولى فهي من وسط الركام ومع الفقر المدقع وانعدام المسؤولية الرادعة إن كان في فشل السياسات النقدية التي حققت الانهيار الاقتصادي وإن كان مع الانفجار المروع والوباء المهلك والغلاء المستفحل أصبحنا وجهاً لوجه مع يوم الفناء الأكبر ورحيل كل شيء بما ينم عن انعدام حياة لمن بقي وسيبقى في لبنان ويكفي أن تكون الطغمة الحاكمة باقية في كراسيها وكتل تحرص على حفظ سيطرتها في اعتماد المحاصصة سبيلاً لاستمرارها .. نقول بالفم الملآن : لا مكان للإصلاح والإنقاذ على أيدي هؤلاء فهم من صنعوا المآسي طوال سنين عجاف وبقاء ذهنيتهم المتخلفة لن تخرج البلاد والعباد من الويلات المتكدسة والنكبات المستجدة !

-المطلوب بكل وضوح : رفع أيديهم واستقدام فريق عمل لا يتصل بأية صلة بهم ، فالأجيال زاخرة بالكفاءات والخبرات المنتشرة في بلدنا وأبناء الاغتراب من أصحاب المواقع الهامة والناجحين عملياً على مختلف الأصعدة لتحقيق الرجاء والإنقاذ والإصلاح .

-مطلوب فريق عمل ممن يستطيع إنقاذ بلد بلغ حد الانهيار الكامل في كل شيء ولهذا الفريق حريته ووسائله لبذل جهود التعافي وعلى الكل تسهيل مهماته كي تكلل الفرصة الأخيرة بالنجاح وضمن المهلة اللازمة لذلك دون تدخل من أولئك لأي سبب كان .. فستة أشهر هي مرحلة لمواجهة ما خربوه فيما مضى وبعدها يعاد بناء هذا الوطن على قواعد سليمة من العدل والمساواة وإطلاق جيل جديد من القادة والمسؤولين على حد سواء من كل القادرين على دعم مسيرة الإصلاح .

أما القضية الثانية فهي أكثر واقعية وأفضل ممارسة وضرورة إذ طالما بقيت الطائفية وفق الطائف فالأعمدة الثلاثة التي تكوّن هذا النظام هي سواء في الحقوق والواجبات فالرئيس الحزبي الذي وصل إلى الرئاسة الأولى وكذلك الثانية وفي مثلها يأتي في الثالثة ضمن هيكل يقوم على الاحترام والمصداقية وعليه رئيس الوزراء بغض النظر عن شخصه واسمه فهو رمز كالآخرين بل أقواهم تمثيلاً باعتبار أن طائفته هي الأولى عددا ومساحة ودوراً مهما على صعيد الداخل والخارج معاً فهو يتوازن مع الرئيسين وبالتالي لا يخضع لمزاجية أحد من مرؤسيه إذا كانوا لا يمثلون ثقلاً عددياً زاخراً بالعطاء وخاصة إذا كانوا لا يملكون التجربة ولا الخبرة وهكذا يبقى الموقع الثالث تبعاً لإمكانات وكفاءات أجيال قادرة معه على تطوير رقي الوطن وازدهاره ؟!

إن استلشاق البعض بهذا الموقع وتعريضه في كثير من الأحيان للاهتزاز بل وللإجهاز في محاولة لتحجيمه هي سياسة مرفوضة من أي جهة كانت فالعرف الطائفي الذي يحمي الرئاسات الثلاث هي واحدة للجميع ولطالما هي معتمدة فلا خضوع ولا مزاجية في التشبيح من قلة لا توازي في حجمها ما يمثله موقع رئيس الحكومة على الدوام ، وإلا فلنذهب جميعاً إلى اعتماد الكفاءة وحدها دون النظر إلى أي معيار آخر ليحكم البلد من الأكفاء الذين وحدهم يقيمون دولة الإنسان بعد أن أصبح العالم كله قرية صغيرة يعيش فيها الجميع من كل الألوان والأجناس والأديان تحت سقف قانون يشرع فقط لخدمة هذا الإنسان.

أخيراً إن الثورة اليوم في عامها الثاني وكل الشرفاء وحدهم القادرون على صنع التغيير ودعم مسيرة الإصلاح شرط أن يتوحدوا على برنامج مدروس تحدد مراحله ومسيرته بكل وضوح وبيان ، ولقد سبق حصول ثورات كثيرة ناجحة أهمها في العام 1952 حين أطيح بالفساد بضربة قاضية تمثلت بإضراب عام في البلاد حينها نجح الثوار في قلب الطاولة على الفاسدين والمرتشين من أعلى مواقعهم إلى أدناها !! كذلك في عالم السياسة يوم انحرفت فكانت ثورة الشعب 1958 على حلف بغداد ومن حاول فرضه واليوم نقول : توحدوا أيها الثائرون الحكماء أصحاب الكفاءات والشفافية كي تجنوا تغييراً وإصلاحاً من أجل قيام وطن تستحقه الأجيال وإنها لساعة النصر والخروج من الأزمات بإذن الله ( إذا الشعب يوماً أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر ... ).