العدد1724 /15-7-2026

تتصاعد المخاوف الدولية بشأن سلامة الممرات البحرية في الشرق الأوسط إثر الاستهداف المباشر لواحد من أهم المشاريع اللوجستية الواعدة في المنطقة؛ بعدما أعلن الحرس الثوري، الأحد، استهداف مراكز للدعم اللوجستي ومنصات التزود بالوقود في ميناء الدقم بسلطنة عمان بدعوى أن أنها تخدم حاملات الطائرات الأميركية.

وجاء هذا التطور ليمثل منعطفاً جديداً يضع البنية التحتية والملاحة البحرية خارج مضيق هرمز في مرمى الصراع المباشر، وذلك في أعقاب سلسلة ضربات بالطائرات المسيرة طالت الميناء، متسببة بأضرار مادية في سكن العمال وخزانات الوقود ومثيرة تساؤلات عميقة حول آفاق الاستقرار اللوجستي الإقليمي، حسب تقرير نشرته فايننشيال تايمز، في 12 يوليو/ تموز الجاري.

ويهدد هذا الاستهداف الطموحات الاقتصادية لسلطنة عمان في منطقة الدقم الاقتصادية؛ إذ يشكل الميناء الركيزة الأساسية لخطط تنويع الاقتصاد العماني بعيدا عن الهيدروكربونات التي تمثل حوالي 70% من الإيرادات الحكومية، وبموجب رؤية عمان 2040 يعمل الميناء كعقدة حاسمة مدفوعة بالسياسات ومصممة لإعادة تشكيل مستوطنة صيد نائية ذات يوم إلى مركز صناعي ولوجستي متعدد الأغراض.

وتتطلع مسقط عبر هذا الميناء، المدعوم بالمنطقة الحرة والصناعات الكبرى مثل الحديد والصلب والمصفاة ومشاريع الطاقة النظيفة، إلى جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة وترسيخ مكانتها كحلقة وصل آمنة ومحايدة، ما يجعل أي تهديد أمني بمثابة تقويض لجهود بناء مصداقية الميناء طويلة المدى أمام المستثمرين الدوليين، حسب تقدير نشره معهد كارنيغي للسلام الدولي في 3 مارس/ آذار الماضي.

ورغم أن الميناء يقع خارج نطاق مخاطر الحرب المباشر جغرافياً، فإن اقتراب العمليات الحربية منه يسهم فورياً في رفع أسعار نولون الشحن البحري والضغط على سلاسل الإمداد العالمية، وفق تقارير دولية. وفي مواجهة هذه الهزات الجيوسياسية، تبرز تساؤلات حول مدى قدرة الاقتصاد العماني على امتصاص تداعيات إغلاق مضيق هرمز واستهداف الدقم؛ رغم أن البنية التحتية لاقتصاد السلطنة تبدو مرنة بالنظر إلى تصدير عمان للنفط والغاز بشكل رئيسي من خلال موانئ تتمتع بوصول مباشر إلى بحر العرب، مثل الدقم وميناء الفحل وصلالة، والتي تتجاوز مضيق هرمز، ومع ذلك تظل التكاليف الاقتصادية حاضرة بقوة؛ حيث دفعت هذه التوترات وكالات التصنيف الكبرى إلى تعديل توقعات النمو، معلنة أنه نتيجة للاضطرابات الجارية في ممرات التجارة والإغلاق الفعلي لمضيق هرمز، فإنها قامت بخفض توقعات نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي إلى 1.4% في عام 2026، مقارنة بـ 2.2% في المراجعة السابقة، حسب ما أورد تقرير تصنيف نشرته "ستاندرد آند بورز".

وعلى المدى البعيد، يدفع استمرار الهجمات شركات الملاحة العالمية والمنتجين الإقليميين نحو مراجعة استراتيجيات الشحن التقليدية المعتمدة على خيارات منفردة؛ إذ يرى خبراء أن التحديات الأمنية المستمرة ستعزز من استراتيجيات التنويع الملاحي وتكامل ممرات العبور الإقليمية، لا سيما أن التحسين من أجل المرونة، وليس الكفاءة فقط، أصبح النموذج الجديد لدول الخليج والخدمات اللوجستية التجارية الخاصة بها، وسيكون لتكرار هذه الاستهدافات أثر بالغ في تسريع وتيرة التعاون والربط الخليجي البري، ونقل البضائع عبر السكك الحديدية والممرات متعددة الوسائط لتفادي خطوط الملاحة الأكثر عرضة لتهديدات المسيرات والصواريخ في هذه المياه الحيوية، حسب تقدير نشرته منصة (Strategy& - PwC)، المتخصصة في الاستشارات الاستراتيجية والإدارية للنقل والخدمات اللوجستية، في مايو/أيار الماضي.

وفي هذا الإطار، يشير الخبير في الاقتصاد السياسي، رائد المصري، لـ "العربي الجديد"، إلى أن أي عمليات عسكرية أو حربية تؤثر بشكل مباشر على البنية الاقتصادية واللوجستية لمشاريع الاقتصاد العماني والخليجي عموماً، حيث تنعكس هذه العمليات سلباً على الاستثمارات وحرية حركة التوريد وتدفق الرساميل، وتسبب توتراً وتذبذباً حاداً في أسعار النفط والغاز نتيجة الاضطرابات التي ترافق أي نزاع حتى لو كان محدود النطاق.

ويصف المصري استهداف ميناء الدقم بأنه "تطور نوعي" في حجم ونوعية الاستهدافات التي ترد بها إيران على الحرب التي شنتها عليها الولايات المتحدة، وهو رد يأتي في غير سياقه ومحله طالما أن الأهداف لم تكن قوات عسكرية أميركية مباشرة، بل موانئ وبنى تحتية مدنية تقع تحت السيادة العمانية، ما يضع المنطقة أمام بيئة متغيرة في مسار الحرب تؤثر مباشرة على عمل الميناء وسلاسل التوريد والحركة التجارية برمتها على المستوى العالمي.

وإزاء ذلك، يواجه الاقتصاد الخليجي واقعاً يشكل خطورة متزايدة على حركة التجارة وسلاسل الإمداد والتأمين، خاصة أن الاستثمارات تتطلب بيئة هادئة ومستقرة وآمنة خالية من أي اضطرابات، ولذا فإن التصاعد المستمر للتوترات في مضيق هرمز وتأثيره على أسواق النفط والغاز يضرب البيئة الاستثمارية ويؤثر سلباً على الاقتصادات الخارجية ويزيد من حجم الخسائر المتوقعة.

وهنا يلفت المصري إلى أن الأسواق تعيش حالة من عدم اليقين بشأن النتائج المستقبلية، وسط تناقض في التصريحات الأميركية بين التصعيد وتخفيف حدة التوتر من قبل الرئيس دونالد ترامب، وهو ما يرتبط ارتباطاً وثيقاً بتذبذب أسعار النفط والمضاربات في الأسهم النفطية بالبورصات الأميركية والغربية، ما يعكس واقعاً خطيراً وسياسات أميركية محفوفة بالمخاطر تتقاطع مع الرغبات الإيرانية في السيطرة على مضيق هرمز والخليج العربي.

وتظهر استفزازات أميركية واضحة تستند إلى قناعة واشنطن بأن مضيق هرمز لم يعد يؤثر عليها بشكل كبير في ما يتعلق بتدفقاتها النفطية الخاصة، ما يدفعها لتحميل دول الخليج والخسائر الناتجة عن انقطاع التدفقات نحو الصين، مشيراً إلى أن تطورات الأحداث تشكل إنذاراً مبكراً ببدء مرحلة خطيرة من استهداف البنية التحتية والتدمير الشامل كما حدث في ميناء الدقم، حسب المصري، الذي يحذر من التداعيات الاستراتيجية لهذه المعادلة الجديدة.