العدد1725 /22-7-2026
لم تعد أزمة الوقود في الضفة الغربية تقتصر على نقص الكميات
أو الطوابير أمام المحطات، بل تحولت خلال الأيام الماضية إلى أزمة اقتصادية
ومعيشية تضرب قطاعات النقل والعمل والحياة اليومية، في ظل الأزمة المالية التي
تعيشها السلطة الفلسطينية، واستمرار احتجاز إسرائيل أموال المقاصة، وتفاقم أزمة
السيولة النقدية. وأصدرت وزارة المالية والهيئة العامة للبترول الفلسطينية، في
ساعة متأخرة من ليلة أول من أمس، بياناً لم تُوضح فيه أسباب المشكلة. وأكد البيان
أن توريد المحروقات إلى السوق مستمر يومياً دون توقف، وأنه ظهرت في الأيام الأخيرة
تحديات إضافية تتعلق بمجموعة من العوامل، أبرزها المخاوف من تجدد الصراع الإقليمي،
والآثار التراكمية للأزمة التي يختلقها الجانب الإسرائيلي أمام تحويل الشيكل
المتراكم في المصارف الفلسطينية إلى البنوك الإسرائيلية. وطالبت بتجنّب التهافت
على محطات الوقود، وبمنع التعبئة في الغالونات الذي يحصل بهدف التخزين.
الأزمة في الشارع
في مدينة جنين شمالاً، توقفت سيارة الأجرة العمومية
(السرفيس) التي يقودها محمد غنام، منذ ثلاثة أيام بعد نفاد السولار. يقول غنام
لـ"العربي الجديد": "إن الأزمة حرمتني من مصدر دخلي الوحيد، إذ
أقضي ساعات طويلة متنقلاً بين محطات الوقود من دون أن أتمكن من تعبئة مركبتي، بينما
تتراكم عليّ أقساط السيارة ونفقات أسرتي". وفي نابلس أيضاً شمالي الضفة، اضطر
الموظف الحكومي محسن أبو العز إلى ترك سيارته الخاصة والاعتماد على المواصلات
العامة للوصول إلى مقر عمله في رام الله بعد تعذّر الحصول على البنزين. ويؤكد أبو
العز أن تكاليف التنقل ارتفعت بشكل ملحوظ، في وقت لا تزال فيه الرواتب الحكومية
تُصرف منقوصة وغير منتظمة، ما ضاعف الأعباء المالية على أسرته.
الاحتلال وراء الأزمة
ومن جانبه، يرى أمين سر نقابة أصحاب محطات المحروقات في
الضفة الغربية، خالد السراحنة، أن الأزمة الحالية تعود أساساً إلى احتجاز إسرائيل
أموال المقاصة، التي تمثل المصدر الرئيسي لتمويل مشتريات الوقود عبر وزارة المالية
وهيئة البترول، مؤكداً لـ"العربي الجديد" أن اضطرابات سلاسل التوريد
العالمية تبقى عاملاً ثانوياً مقارنة بالأزمة المالية الداخلية.
ويشير السراحنة إلى أن الشائعات والاندفاع الجماعي نحو محطات
الوقود ساهما في تفاقم الأزمة، موضحاً أن توريد المحروقات لم يتوقف بالكامل حتى
خلال ذروة الحرب، وإن كانت الكميات قد تراجعت، لذلك لجأت بعض المحطات إلى تقنين
البيع لضمان توزيع الوقود على أكبر عدد من المواطنين، مع السماح بتعبئة الجالونات
في حالات إنسانية استثنائية رغم مخالفتها تعليمات السلامة.
وتنعكس الأزمة أيضاً في تراكم ديون هيئة البترول للشركات
الإسرائيلية، التي بلغت نحو ثلاثة مليارات شيكل (حوالي 91 مليون دولار)، بحسب
السراحنة، موضحاً أن الشركات الموردة تقتطع جزءاً من المدفوعات لسداد الديون
السابقة، ما يقلص الكميات التي تصل فعلياً إلى السوق الفلسطينية.
وتفاقمت الأزمة مع استمرار مشكلة فائض الشيكل في المصارف
الفلسطينية، بعد رفض البنوك الإسرائيلية استقبال الفائض النقدي، الأمر الذي حدّ من
قدرة محطات الوقود على إيداع الأموال اللازمة لشراء المحروقات.
يقول صاحب محطة وقود في الضفة الغربية، فضل عدم الكشف عن
اسمه، في حديث مع "العربي الجديد"، إن "بعض المحطات تضطر لتحويل
الشيكل إلى الدولار أو الدينار عبر محال الصرافة، متحملة خسائر كبيرة بسبب فروق
أسعار الصرف، فيما أغلقت محطات أخرى أبوابها لعجزها عن توفير السيولة
البنكية".
ويؤكد الخبير الاقتصادي، واصف أبو عكر، أن جذور الأزمة تعود
إلى بروتوكول باريس الاقتصادي (1994)، الذي جعل إسرائيل المورد شبه الوحيد
للمحروقات للسوق الفلسطينية. ويوضح أبو عكر لـ"العربي الجديد" أن سعر
الوقود يتحدد وفق السعر الإسرائيلي، ثم تضاف إليه ضريبة "البلو" الخاصة
بالمحروقات، التي تعادل تقريباً قيمة الوقود، إلى جانب ضريبة القيمة المضافة
وهوامش الربح، بينما تحتجز إسرائيل قيمة هذه الضريبة ضمن أموال المقاصة، ما يزيد
الضغوط المالية على السلطة.
ويخضع قطاع الطاقة الفلسطيني منذ عام 1994 لمنظومة قيود تمنع
بناء منظومة مستقلة لاستيراد الوقود أو تخزينه، ما يجعل أي توتر سياسي أو عسكري
ينعكس مباشرة على الإمدادات. كما لا تستطيع السلطة الفلسطينية استيراد الوقود
مباشرة من الأردن أو مصر، فيما تتولى هيئة البترول شراء المحروقات من الشركات
الإسرائيلية وإعادة توزيعها في السوق المحلية.
من جانبه، يرى الصحافي المختص بالشأن الاقتصادي، أيهم أبو
غوش، أن الأزمة لم تكن نتيجة نقص الكميات فقط، بل أيضاً بسبب غياب إدارة فعالة
للطلب، مشيراً إلى أن الإمدادات انخفضت بنحو الثلث، مقارنة بما قبل الحرب، بينما
أدى التهافت على التخزين إلى استنزاف الكميات المتوفرة سريعاً. واعتبر أبو غوش، في
حديث مع "العربي الجديد"، أنه إذا كان هناك سقف للتعبئة ومنعت تعبئة
الغالونات منذ بداية الأزمة لساهم ذلك في الحد من تفاقمها.
أزمة الشيكل والتحديات اللوجستية
في المقابل، أعلن رئيس هيئة البترول الفلسطينية مجدي الحسن
في تصريحات لوسائل الإعلام، أن عمليات توريد المحروقات ستعود إلى معدلاتها
الطبيعية بحدود ثلاثة ملايين لتر يومياً، موضحاً أن الأزمة نتجت عن تداخل أزمة
الشيكل، والقيود الإسرائيلية، والتحديات اللوجستية المرتبطة بالحرب في المنطقة،
إضافة إلى أزمة السيولة التي تواجهها الهيئة. ودعا المواطنين إلى عدم التهافت على
محطات الوقود، مؤكداً أن الإمدادات ستتحسن تدريجياً خلال الأيام المقبلة.
ولا تعد الأزمة الحالية الأولى من نوعها، إذ شهدت الضفة
الغربية أزمات مشابهة أعوام 2012 و2015 و2022، كشفت جميعها هشاشة منظومة الوقود
الفلسطينية، وغياب مخزون استراتيجي، واستمرار الارتهان الكامل للمورد الإسرائيلي،
بما يجعل قطاع الطاقة عرضة للتقلبات السياسية والمالية في كل أزمة جديدة.