العدد 1697 /7-1-2026
شكك عالم الآثار الفرنسي جان بول ديمول، في حديث
مع الأسبوعية الفرنسية "ماريان"، أول أمس الأحد، في أسطورة "الأجداد
الغالبين"، تطرق خلاله إلى الهوية الفرنسية وتاريخ الهجرات التي ساهمت في
تكوين البلد، ما أثار ضجة في الأوساط الثقافية. وأشار أيضاً إلى الدور الذي يلعبه
متحف اللوفر في التعمية على الإرث والدور الحضاري لشعوب الشرق، كما قدّم نقداً
عميقاً للمخاوف من المهاجرين التي تنبع، بحسب قوله، من "ذاكرة انتقائية"
تمحو فضل الشرق على الغرب، وتحاول تصوير فرنسا بوصفها قلعة مغلقة كانت دائماً
"بيضاء ومسيحية"، وهو ما ينفيه علم الآثار جملة وتفصيلاً.
ديمول، الذي يُعد من أبرز علماء الآثار والمؤرخين
الفرنسيين المعاصرين، وصوتاً نقدياً مؤثراً في النقاشات حول الهوية والتاريخ، أعاد
تأكيد ما دوّنه في دراساته عن أن العرب والمسلمين لم يكونوا طارئين في فرنسا،
وكانوا في تواصل مستمر معها عبر البحر الأبيض المتوسط عبر التجارة أو الحملات
العسكرية أو التبادل الثقافي، والتأثيرات الشرقية لا تزال جزءاً من
"الخليط" الذي يشكّل فرنسا اليوم. وهو يرفض بذلك فكرة أن الوجود العربي
والإسلامي مجرد ظاهرة حديثة مرتبطة بالاستعمار أو بالهجرات المعاصرة.
آراء ديمول تدحض رؤية مثقفي اليمين المتطرف،
وتُظهر مراجعة التاريخ كيف جرى استخدامه لأغراض أيديولوجية؛ فالعرب لم يهدفوا إلى
استعمار فرنسا، كما أن وجودهم في جنوبها استمر لفترة طويلة، واتسم بنوع من التعايش
والتبادل الثقافي والعلمي، غالباً ما يتم تجاهله في الكتب المدرسية.
وقدّم ديمول رؤية نقدية لمحتويات متحف اللوفر، فهو
في جزء كبير من مجموعاته الشرقية ليس مجرد متحف للفن، بل "تجسيد للمشروع
الاستعماري الفرنسي"، فهذه المجموعات الضخمة جُمعت في ذروة التوسع
الإمبراطوري، إذ أمّمت فرنسا تاريخ الشرق. وبدلاً من النظر إلى هذه الآثار بوصفها
ملكاً لشعوبها الأصلية، جرى التعامل معها كقطع يجب "إنقاذها" ونقلها إلى
باريس لتكون تحت وصاية "المركز الحضاري"، وهو المنطق الاستعماري نفسه
الذي عامل الأقاليم الفرنسية (مثل بريتاني) بوصفها ممتلكات للمركز.
كما انتقد ديمول سردية يحاول المتحف أحياناً
تكريسها، تقول إن الغرب، وفرنسا تحديداً، هو من "أعطى قيمة" لهذه الآثار
عبر اكتشافها وفك رموزها، إذ يغفل هذا الخطاب حقيقة أن هذه الحضارات هي الأصل الذي
انبثقت منها الزراعة والمدن والكتابة، والتي وصلت إلى فرنسا لاحقاً، وأن نقلها إلى
اللوفر كان عملية "نزع ملكية" ثقافية.
ويطرح ديمول مفارقة حادة في اللقاء: ففي الوقت
الذي يفتخر فيه الفرنسيون بالآثار الشرقية في اللوفر، ويعتبرونها جزءاً من
"عظمة فرنسا"، يرفض كثيرون منهم الاعتراف بالمهاجرين القادمين من تلك
المناطق نفسها بوصفهم جزءاً من الهوية الفرنسية المعاصرة.