حسين عبد العزيز

لم تمض أيام قليلة على وقف شركة أرامكو السعودية إمدادات النفط إلى مصر، حتى بدأت الأخيرة بخطوات سياسية تؤكد أن الخلاف بين الجانبين هو خلاف كبير ومستفحل ولا مكان فيه للعودة إلى الوراء.
- اتصال السيسي بحيدر العبادي، وإعلان دعمه في معركة الموصل، مع ما في ذلك من إدارة الظهر للمخاوف السعودية الخليجية من معركة الموصل وإشراك ميليشيا الحشد الشعبي فيها.
- استقبال القاهرة لعلي مملوك أحد أركان النظام السوري، وتفاهم الطرفين على التنسيق الأمني في محاربة «الإرهاب».
- استعداد القاهرة لاستقبال وفد من الحوثيين وفق تسريبات مصرية لوسائل إعلام مقربة من إيران.
- تدريبات عسكرية مشتركة بين مصر وروسيا تحمل في تبعاتها دعماً مصرياً للدور العسكري الروسي في سوريا.
- وسائل إعلام مصرية مقرّبة من النظام تتحدث عن عرض إيراني لمصر بإمدادها بالنفط عوضاً عن الشحنات السعودية المتوقفة.
 لا يتعلق الأمر هنا برد فعل مصري على الخطوة السعودية، بقدر ما هو تجسيد واضح للموقف المصري المغاير تماماً للموقف السعودي في ملفات المنطقة الحساسة، وما منع القاهرة من التعبير عن هذه المواقف بهذه الفجاجة سوى العلاقة مع الرياض وتحديداً الدعم المالي الكبير الذي تقدمه الأخيرة للسيسي.
 لكن السيسي المحكوم بمعاداة الإخوان المسلمين من جهة، ورفضه للربيع العربي من جهة ثانية، وحاجته لمظلة إقليمية ودولية في دعم مشروعه محاربة «الإرهاب» لأسباب متعلقة بترسيخ حكمه ثالثاً، يبحث عن مظلة بديلة للمظلة الخليجية.
 وما أجل الخلاف أنه كان ثمة قناعة لدى صناع القرار في الرياض أن الدعم السياسي والاقتصادي الكبيرين للسيسي من شأنهما أن يساهما في تبديل مواقفه من ملفات الإقليم تدريجياً، خصوصاً في الملفين السوري واليمني، وكان ثمة قناعة مقابلة لدى السيسي أن وزن مصر الإقليمي يشكل فائدة للسعودية وضرورة هي بحاجة اليها في هذا الوقت مع انهيار القطب العربي الثالث (سوريا) وهيمنة الإيرانيين على العراق وسوريا ولبنان وجزء من اليمن.
لكن الخلاف بين الجانبين ليس مجرّد خلاف تكتيكي هنا أو هناك، إنه خلاف استراتيجي حول مصير المنطقة العربية ووجودها السياسي والاجتماعي، خصوصاً الكينونة السياسية للمسلمين السنة في المنطقة.
 ومن مفارقات التاريخ أن تقف مصر في خط يعادي هذا التوجه الذي ترفع رايته السعودية اليوم مع الملك سلمان كمدافع عن العمق القومي العربي والحضور السني فيه.
 مصر السيسي اليوم تقف مع المحور الإيراني - الروسي بشكل كامل، من خلال معاداتها لمجمل الثورات العربية ودعمها للأنظمة الاستبدادية بشكل صريح، فضلاً عن العلاقة القوية التي قد تصل إلى مستوى التحالف مع الاحتلال الإسرائيلي، وهو خط أحمر سعودي على الرغم من الاعتدال السياسي الذي طالما وصفت به الرياض.
 وعلاقة مصر مع مجمل هذه الأطراف ليست علاقة ندّية تعكس مصالح الجانبين القومية، وإنما هي علاقة استتباع مصري لهذه المحاور.
 هكذا ضرب السيسي البعد القومي - العربي من حسابات الدولة المصرية، فأيد المحور الإيراني - الروسي في سوريا، دون وعي لمخاطر وقوع دولة مثل سوريا في الفلك الإيراني وانهيار حاضرتها السنّية والثقل العروبي فيها على الرغم من الحكم الطائفي.
 وهكذا ثالثاً ضرب القضية القومية الكبرى للعرب، من خلال الانفتاح الهائل على إسرائيل أمنياً وسياسياً على حساب الفلسطينيين، ووصل به الأمر إلى رفض المبادرة الفرنسية على ما فيها من علات لصالح الرؤية الإسرائيلية للتسوية.
 وهكذا أخيراً يشارك في عملية ضرب الثورة السورية والقوة العسكرية فيها، من خلال مشاركته في المشروع الإيراني - الروسي في مدينة حلب تحت عنوان اسمه «الهدنة الإنسانية».