العدد 1697 /7-1-2026

ليس جديداً على الولايات المتحدة، أو على الولايات المتحدة وحلفائها، ومن بينها إسرائيل، تلفيق التهم للخصوم، واختراع مسوغات لاستهدافهم لا تمتّ إلى القانون الدولي بصلة، كما أن الولايات المتحدة تُتقن إحاطة الأعداء والخصوم بهالة من الرعب، وإبقاء حالة الفزع في الداخل الأميركي حيّة، لتبرير تحرشاتها واعتداءاتها وتحركاتها العسكرية حول العالم، وهي استراتيجية مرتبطة بالأمن القومي. يحصل ذلك، حتى مع اليسار في الداخل، ومع كل الدول التي تشتبك معها الولايات المتحدة، سياسياً واقتصادياً وعسكرياً، سواء في إطار المنافسة على الهيمنة، أو العداء الأيديولوجي، أو الصراع الذي يحمل أبعاداً عسكرية داهمة أو بعيدة. هذا الوضع لا ينطبق على من تريد الولايات المتحدة تبرئتهم، لاعتبارات مصلحية، بل فقط على من تريد إطاحتهم لهذه الاعتبارات، وهو ما ينطبق على فنزويلا، التي تمّ اختطاف رئيسها نيكولاس مادورو إلى داخل الأراضي الأميركية في عتمة الليل، فيما يتعين من وجهة نظر واشنطن أن ينصاع أي خليفة لمادورو للأوامر الأميركية، لتجنيبه المصير ذاته. هذا الوضع ليس جديداً ضمن سياسة الضغوط الأميركية القصوى، لكنه لم يبلغ يوماً قبل العدوان على فنزويلا هذا الوجه العلني أو الصراحة في التعبير، وهو بحسب تعبير بعض الصحافة الأميركية يعيد المشهد إلى القرنين الماضيين، خصوصاً التاسع عشر، حيث كان الاستعمار مفضوحاً، ولا يخفي هدفه.

رغم ذلك، لا يرتقي ردّ الفعل في الإعلام الأميركي، أو لدى الحزب الديمقراطي في الولايات المتحدة، على العدوان على فنزويلا إلى مستوى الحدث، لجهة تحمل المسؤولية وإدانة تحرك عسكري لا يملك أي شرعية قانونية دولية، فضلاً عن أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي أمر بخطف نيكولاس مادورو، وفوّض وزارتي الخارجية والحرب ووكالة الاستخبارات المركزية "سي آي إيه" بإدارة العملية، لم يستشر أو يبلّغ الكونغرس مسبقاً بقراره، مستنداً إلى أنه القائد الأعلى للقوات المسلحة، وإلى الصلاحيات التنفيذية التي يملكها. وتبقى التصريحات السياسية التي صدرت منددة بالقرار، غير قادرة على التغيير، في ظلّ هيمنة جمهورية على الكونغرس، وامتلاك الرئيس لحقّ الفيتو الرئاسي. فضلاً عن ذلك، أن الإعلام الأميركي انقسم في رؤيته للحدث، بين من اعتبره انتصاراً أميركياً، وبين من رأى فيه سابقة خطيرة، في مقابل أصوات خبراء شكّكوا كثيراً في شرعية العدوان.

وكان ترامب طبّق رؤيته بشأن فنزويلا وتهديداته لهذا البلد، على طريقته الخاصة الهوليوودية، وأطاح مادورو، بعد أشهر من محاصرته باتهامات التورط في تهريب المخدرات للولايات المتحدة. وصوّرت إدارة ترامب العدوان على فنزويلا وعملية اختطاف مادورو من قلب بلده، على أنها تنفيذ لطلب مساعدة من وزارة العدل الأميركية، وعملية إنفاذ قانون تستند إلى لوائح اتهام أميركية، مع ترويج رواية افتقاده الشرعيةَ رئيساً لفنزويلا نتيجة انتخابات "تمّ التلاعب في نتيجتها" عام 2018. وقالت وزيرة العدل الأميركية، بام بوندي، إن المتهمين "سيواجهون قريباً غضب العدالة الأميركية الكامل على الأراضي الأميركية وفي المحاكم الأميركية".

العدوان على فنزويلا غير شرعي

ومع إعلان ترامب أن الولايات المتحدة "ستدير" فنزويلا حتى يتم إجراء انتقال مناسب، ينظر كثيرون بعين القلق إلى هذه التطورات التي يرون أنها تدق مسماراً جديداً في نعش القوانين والأعراف الدولية، وتثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن المنظمات والهيئات الدولية التي يفترض أن تكون معنية بتسوية النزاعات والصراعات بين دول العالم، باتت خارج نطاق الخدمة في ظلّ تجاهل من قبل القوى الأكبر في العالم والتي لم تقدم أي دليل ملموس على اتهاماتها للنظام الفنزويلي وتحركت ضده عسكرياً من دون أي غطاء قانوني أو مظلة دولية.

وقال خبراء في القانون الدولي، وفق وكالة رويترز، أمس، إن إدارة ترامب خلطت بين المسائل القانونية من خلال الادعاء بأن العملية كانت مهمة إنفاذ قانون محدّدة ومقدمة محتملة لسيطرة الولايات المتحدة على فنزويلا في المدى الطويل. وفي هذا السياق، رأى جيريمي بول، الأستاذ في جامعة نورث إيسترن المتخصص في القانون الدستوري، في حديث للوكالة، إنه "لا يمكنك القول إن هذه العملية كانت لإنفاذ القانون، ثم تستدير وتقول نحن الآن في حاجة إلى إدارة البلاد. هذا غير منطقي".

ويملك الكونغرس الأميركي سلطة إعلان الحرب، لكن الرئيس هو القائد الأعلى للقوات المسلحة. وقالت كبيرة موظفي البيت الأبيض سوزي وايلس، لمجلة فانيتي فير في مقابلة نُشرت أواخر العام الماضي، إنه إذا كان ترامب سيأذن "ببعض الأنشطة على الأرض" في فنزويلا فإنه سيحتاج إلى موافقة الكونغرس، لكن وزير الخارجية ماركو روبيو أكد أول من أمس، بعد إعلان العملية، أنه لم يتم إخطار الكونغرس قبلها (تمّ إخطار ما تسمى عصابة الثمانية، الزعماء الكبار للحزبين في الكونغرس، مع بدء العملية).

ويبدو أن الكونغرس الأميركي، قرّر التحرك متأخراً، حيث إن مجلس الشيوخ يعتزم الأسبوع المقبل، التصويت على مشروع قانون سلطات الحرب، المقدم من أعضاء من كلا الحزبين الديمقراطي والجمهوري، لمنع ترامب من مواصلة تحركاته العسكرية في فنزويلا. وقدّم مشروع القانون بشكل استثنائي وعاجل، ما يعني أن زعيم الأغلبية الجمهورية في "الشيوخ" جون ثون، لا يستطيع عرقلة وصوله إلى المجلس. وأعد المشروع زعيم الأقلية تشاك شومر وعضوان ديمقراطيان، هما تيم كاين وآدام شيف، بالإضافة إلى العضو الجمهوري راند بول، ويحتاج إلى أغلبية النصف زائد واحداً ليمرّ (الديمقراطيون حالياً 48)، علماً أن الأعضاء الجمهوريين سوزي كولينز وليزا موركوفسكي وجوش هاولي، قد يصوتون عليه. لكن حتى لو مرّ القانون، فإنه من المتوقع أن يواجه فيتو ترامب، والذي لا يمكن الانقلاب عليه في الكونغرس، لأن ذلك يحتاج إلى أغلبية الثلثين، وهو ما ليس متوفراً للديمقراطيين. ووصف شومر العدوان على فنزويلا بالمتهور، واعتبر السيناتور الديمقراطي روبين غاليجو أنه "غير شرعي"، مضيفاً على "إكس"، أنه "لأمر محرج أن نتحول من شرطي العالم إلى بلطجية العالم في أقل من عام".

ويحظر القانون الدولي استخدام القوة في العلاقات الدولية، إلا في استثناءات ضيّقة مثل تفويض من مجلس الأمن أو في حالة الدفاع عن النفس. وذكر خبراء قانونيون أن الاتجار بالمخدرات وعنف العصابات يعتبر نشاطاً إجرامياً، ولا يرقى إلى المعيار الدولي المقبول للنزاع المسلح الذي يبرر الرد العسكري. وفي هذا السياق، رأى ماثيو واكسمان، أستاذ القانون في جامعة كولومبيا المتخصص في قانون الأمن القومي، إن "الاتهام الجنائي وحده لا يوفر سلطة استخدام القوة العسكرية لعزل حكومة أجنبية، وربما تعلق الإدارة الأميركية ذلك أيضاً على نظرية الدفاع عن النفس".

انتصار أم ورطة؟

ويوم أمس، تفاوتت آراء الصحف الأميركية الكبرى بشأن العدوان على فنزويلا بين من حذّر من تداعياتها، وبين من مدحها. واعتبرت صحيفة واشنطن بوست، أن العدوان "انتصار كبير للمصالح الأميركية"، و"نجاح تكتيكي هائل"، و"أجرأ خطوة أقدم عليها رئيس أميركي منذ سنين"، معتبرة رغم ذلك أن "نجاح مهمة القضاء على نيكولاس مادورو سيتحول إلى إخفاق إذا لم يؤد إلى تآكل نفوذ خصوم أميركا" في النصف الجنوبي من القارة.

أما صحيفة نيويورك تايمز، فاعتبرت في تقرير لها، أن إعلان ترامب أن واشنطن "ستدير" فنزويلا، من شأنه أن "يغرق الولايات المتحدة في مرحلة جديدة تحمل مخاطر، حيث ستسعى إلى فرض هيمنتها السياسية والاقتصادية على دولة يبلغ عدد سكّانها 30 مليون نسمة". ولفتت إلى أن ترامب ومستشاريه تجنبوا وصف خططهم لفنزويلا بالاحتلال، بل رسموا ما يمكن وصفه بالتدبير المشابه بالوصاية. واعتبرت أن عملية ترامب تعيد أميركا إلى حقبة "دبلوماسية مدافع الأسطول" أو "دبلوماسية الزوارق الحربية"، عندما كانت الولايات المتحدة تستخدم جيشها للسيطرة على أراضٍ بهدف الحصول على مواردها (مصطلح دبلوماسية الزوارق الحربيةgunboat diplomacy هو مصطلح يشير إلى أسلوب السيطرة على الدول والأراضي لدوافع استعمارية بحتة، ودرجت عليه الدول الاستعمارية في أثناء حقبة في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر). ورأت "وول ستريت جورنال" أن العملية تمثّل انقلاباً على كل ما وعد به ترامب في السابق، من عدم محاولة تغيير أنظمة دول، متسائلة عن الكلفة والمخاطر.