عبد الله الشريف
حصلت ليبيا الحديثة على استقلالها من الاستعمار الإيطالي عام 1951، بعد عقود من جهاد أهلها، لتعلن عن نفسها دولة ملكيةً، بقيادة الملك الراحل إدريس السنوسي، قبل أن ينفذ العقيد الراحل معمر القذافي انقلاباً عسكرياً في أيلول عام 1969، تمكّن به من إطاحة الحكم الملكي والتأسيس لحكم فردي، امتد حتى شباط 2011، لينتهي رسمياً في آب من العام نفسه، بمقتل القذافي في مسقط رأسه سرت.
وعلى الرغم من قدم العمل الحزبي في البلاد، حيث تشكلت أول الأحزاب السياسية في منتصف الثلاثينات من القرن الماضي، إلا أن الحركات ذات الخلفيات الإسلامية لم تظهر في ليبيا إلا نهاية الخمسينات، ممثلة في جماعة الإخوان المسلمين، لتحظر في العهد الملكي بعد الترحيب بها، ثم لتتعرض لقمعٍ غير مسبوق، إبّان تولي العقيد القذافي حكم ليبيا خلال إعلانه حظر العمل الحزبي وزج القيادات الفاعلة في سجونه، بل ومطاردة الفارّين منهم خارج البلاد، ليتمكّن من اغتيال بعضهم. وعلى الرغم من الظروف التي اضطرت جماعاتٍ إسلامية إلى التحول إلى العمل السرّي، إلا ان قمع القذافي تبيّن أنه لم يتجاوز التضييق المادي، فبسقوط نظامه عام 2011 ظهرت عدة جماعات إسلامية، استطاعت مقاومة الظروف السابقة.
في العهد الملكي
تاريخياً، تعتبر الصوفية أقدم الجماعات الإسلامية في ليبيا، حيث تعود وفيات بعض مؤسسي الطرق الصوفية في ليبيا إلى مئات السنين. ولكنها لم تمتلك برامج سياسية، وفضلت البعد عن قمة الهرم، والبقاء قريباً من القاعدة الشعبية، حيث تجد الحظوة والقبول. أما جماعة الإخوان المسلمين فتعتبر أولى الجماعات الإسلامية نشاطاً في ليبيا الحديثة، حيث تمكّن المصري عز الدين إبراهيم، وزميلاه محمود يونس الشربيني وجلال الدين إبراهيم سعده، الذين وصلوا إلى ليبيا عام 1949، بعد أن قبل الملك السنوسي طلب لجوئهم إليه من بطش النظام المصري. وفي العام نفسه، بدأ نشاطهم في تكوين النواة الأولى للجماعة من الطلاب الليبيين، قبل تأسيس هيئة الدعوة الإسلامية في العام نفسه، وبقيت الجماعة تواصل نشاطها حتى عام 1954، عندما أصدر الملك السنوسي مرسوماً يحظر نشاط الجماعة، دون أسباب واضحة. كما نشطت في الفترة نفسها مجموعات وافدة من خارج ليبيا، تنتمي إلى جماعة التبليغ والدعوة، بعقد محاضرات ودروس تدعو إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لكن صوتها اختفى إثر انقلاب القذافي، على الرغم من أنها لم تشتغل بالسياسة.
في عهد القذافي
منذ بداية عقد السبعينات، بدأ معمر القذافي إقصاء خصومه، تمهيداً لحكمه الفردي، وكانت الجماعات الإسلامية، على الرغم من خفوت نشاطها، هدفاً لقمعه، فقد اعتقل عدداً من عام قيادات «الإخوان المسلمين»، ونكل بهم في سجونه، بدءاً من عام 1973، ليضطرهم للإعلان عن حل الجماعة، لكن نشاط الجماعة عاد في نهاية العقد، برجوع طلاب ليبيين يدرسون في الخارج، كانت أعداد كبيرة منهم قد انتظموا مع الجماعة في الخارج. ومن خلال أعمالٍ خيرية ودعوية، استقطبوا مزيداً من أبناء الأسر المتوسطة، وظهر نشاطهم بشكل أكبر في جامعة بنغازي القريبة من القبائل الشرقية، المعارضة لحكم القذافي، التي لا تزال تحتفظ بالولاء للأسرة السنوسية. ونفذ القذافي حملات اعتقالٍ واسعةٍ في صفوف ابناء الجماعة، ليصعّد من أعماله القمعية، بموجة اغتيالات وإعدامات في ساحات الجامعات، ولا سيما جامعة بنغازي، تحت مسمى «الثورة الطلابية»، ليعود نشاط الجماعة إلى السّرية، وغيب في السجون أبرز دعاتهم عبد الكريم الجهاني من برقة، وعمرو النامي من طرابلس.
وبموازاة جماعة الإخوان التي لم تكن تنتهج العمل المسلح ضمن نشاطها، ظهرت جماعات أخرى عديدة، قريبة منها في العمل الدعوي، كالتبليغ والدعوة التي نشطت شرق ليبيا في الثمانينات، ونالها، هي الأخرى، ما نال «الإخوان»، فقد اعتقل أبرز رجالها، محمد بوسدرة في البيضاء عام 1989، والجماعات السلفية التي بدأ دعاة اعتنقوا أفكار المذهب الوهابي في مواسم الحج بنشر أفكارهم بين الشباب، مستثمرين ظروف قمع نظام القذافي. لكن، سرعان ما طاولهم قمع نظام القذافي، إذ اعتقل أبرز دعاتهم، محمد البشتي، الذي اقتيد من بيته في طرابلس، واختفى في ظروف غامضة، وعلى الرغم من ذلك زادت وتيرة انتشار الأفكار السلفية بين الشباب عبر الأشرطة المسجلة والكتيبات التي يُؤتى بها سراً من الخارج، دون أن يكون لهذه الحركة زعيم ومرجع رسمي.
ويبدو أن القمع الذي لقيته الحركات الإسلامية التي تدعو إلى النهضة والصحوة، ولد لدى كثيرين من معتنقيها الرغبة في الانتقام، فنظم بعض دعاة الفكر الجهادي دعواتٍ للخروج على النظام، كما أن جماعات سياسية نظمت نفسها عبر معسكرات تدريب في الخارج، خصوصاً «جبهة إنقاذ ليبيا» التي قادها محمد المقريف الذي صار أول رئيس للمؤتمر الوطني العام، سهلت على هذه الجماعات عملية التدريب في معسكراتها في السودان، فظهرت جماعة «سرايا الجهاد»، بقيادة عوض الزواوي عام 1982 التي شاركت جبهة الإنقاذ عدة محاولات انقلابية على القذافي، وبسبب فشلها ومطاردة النظام أفرادها، اضطر كثيرون منهم إلى المغادرة باتجاه السودان وأفغانستان للمشاركة في الجهاد ضد الغزو السوفياتي. وفي عام 1993، عادت إلى ليبيا عن طريق السودان، وفي هذه المرة، تحت مسمى «الجماعة الإسلامية المقاتلة» بقيادة عبد الحكيم بلحاج، السياسي الحالي، أبرز خلفاء الزواوي، لتشتبك بالنظام في أكثر من مناسبة، ولا سيما في مناطق شرق ليبيا. حيث قتل النظام منهم قرابة 1200 في مذبحة سجن بوسليم عام 1995. وفي عام 2005، دخل النظام في حواراتٍ مع قيادات الجماعة في سجونه، برعاية نجل القذافي سيف الإسلام، توّجت بموافقة الجماعة على التخلي عن مبدأ رفع السلاح، ونشرت مراجعاتها الفكرية في كتاب «الدراسات التصحيحية»، بإشراف مؤسسة القذافي التي كان يترأسها سيف الإسلام، وأطلق سراح قياداتها في آذار 2010.
بعد ثورة فبراير 2011
شاركت أغلب الحركات الإسلامية الليبية في دعم ثورة فبراير 2011، بل شارك بعضها في القتال ضد كتائب نظام معمر القذافي، وحافظ بعضها على سلميته مع انتهاء الثورة، واتجه بعضها إلى تكوين أحزاب سياسية، خاضت غمار أول تجربة ديمقراطية إبّان انتخابات المؤتمر الوطني العام عام 2012. فقد كونت جماعة الإخوان المسلمين «حزب العدالة والبناء» لتفوز بـ 17 مقعداً في المؤتمر، وحقائب وزارية ضمن أول حكوماته، برئاسة علي زيدان. وحزب الإصلاح والتنمية، بقيادة خالد الورشفاني، أحد أعضاء الجماعة الذي انتهى سريعاً، بسبب انضمام عدد قليل إلى عضويته. بينما انقسمت الجماعة الليبية المقاتلة على نفسها، إذ كون عبد الحكيم بلحاج حزب الوطن الذي لم يفز بأي مقعد في المؤتمر. وكونت مجموعة أخرى من الجماعة حزب الأمة الوسط، بقيادة سامي الساعدي الذي حصل على مقعد واحد، شغله عبد الوهاب القايد شقيق أبو يحيى الليبي. وكونت الجماعات السلفية حزب الأصالة والمعاصرة المقرب من دار الإفتاء، قاده علي السباعي، ولم يفز بأي تمثيل.
ما بعد عام 2012
وبعيد ظهور التجاذبات السياسية داخل «المؤتمر الوطني»، ارتبطت الأحزاب السياسية في البلاد بكتائب مسلحة، كانت قد دعمتها بالسلاح والمال، إبّان العمل المسلح للثورة عام 2011، فقد ارتبط حزب العدالة والبناء بــ«لواء الدروع» الموزّع على أكثر من مدينة في ليبيا، وهو من أقوى الألوية العسكرية في البلاد. وارتبطت بعض مجموعات الجماعة المقاتلة بكتائب عدة في طرابلس وبنغازي. وخلال اشتداد القتال في بنغازي، وجد اللواء المتقاعد خليفة حفتر الذي ظهر على رأس عملية عسكرية أطلق عليها مسمى «عملية الكرامة» في أيار 2014، في هرب أغلب أعضاء البرلمان إلى طبرق، متكأً سياسياً لشرعنة عمليته العسكرية، ولينتهي المشهد إلى انقسام سياسي في البلاد، بعودة «المؤتمر الوطني العام» إلى الواجهة السياسية في أيلول من العام نفسه.
جماعات إسلامية أخرى
إلى جانب الجماعات الإسلامية التي برزت رسمياً، عبر أحزاب سياسية، ظهرت جماعات إسلامية أخرى، لم تحمل أجندتها برامج سياسية، كونتها شخصيات إسلامية، أغلبها كان عائداً من أفغانستان، حاملاً معه أفكاراً «جهادية»، اتهموا بسببها بانتمائهم إلى تنظيم القاعدة. من أبرزها جماعة أنصار الشريعة التي بدأت في الظهور بشكل جماعاتٍ، أولاها في بنغازي، بقيادة محمد الزهاوي، وفي أجدابيا شرق البلاد، وفي سرت وسطها، وصبراته غربيها. ولم تقم الاتهامات التي وجهت للجماعة بانتمائها إلى تنظيم القاعدة على أدلةٍ يمكن الوثوق بها، فالجماعة فضلت العمل الخيري وحماية المستشفيات وبعض البنوك وتقديم خدمات للمواطن.
وفي أجدابيا، ظهرت بعد أشهر جماعة تسمت باسم «جماعة الشيخ عمر عبد الرحمن»، إلا أنها انضمت، بعدها، إلى جماعة أنصار الشريعة. وفي درنة، برزت كتيبة بوسليم، بقيادة سالم دربي العائد من أفغانستان، وسفيان بن قمو الذي كان في سجن غوانتانامو. وخلال اشتداد المعارك ضد «عملية الكرامة» العسكرية في بنغازي، اتهم حفتر الكتائب المسلحة التي شكلت حركة فجر ليبيا، والتي دعمتها سياسياً جماعات إسلامية، منها حزب العدالة والبناء والأحزاب الموالية للجماعة المقاتلة، بدعمها الجماعات الإسلامية في بنغازي، ومنها «أنصار الشريعة».
تنظيم داعش الغامض
بدأ الحديث عن وجود جماعات إسلامية تنتمي إلى تنظيم الدولة الإسلامية الذي ظهر في سورية والعراق، نهاية عام 2013، وتحديداً في درنة، حيث خرج مسلحو «مجلس شباب الإسلام» في استعراضٍ مسلح، حاملين الرايات السوداء، معلنين مبايعتهم «الخليفة» أبو بكر البغدادي. ووجد حفتر في القرار الأممي، في تصنيف «جماعة أنصار الشريعة»، المتهمة بمقتل السفير الأميركي، كريستوفر ستيفنز، في بنغازي جماعة إرهابية، حجةً ليعمم هذه الصفة على كل معارضيه السياسيين، خصوصاً أنه أُعلن في طبرق في آب، عملية فجر ليبيا جماعة إرهابية، ولا فرق بينها وبين «داعش». ويبدو أن طول فترة الانقسام السياسي في البلاد سهّلت عملية وضوح انتماءات الجماعات الإسلامية، فقد انخرطت جماعة الإخوان المسلمين عبر ممثلين في حزبها العدالة والبناء، وانضمت بعض قيادات الجماعة المقاتلة إلى حزب الوطن. كما أن العملية القتالية التي أطلقها المجلس الرئاسي ضد التنظيم في سرت أخيراً، والمباركة من أحزاب هذه الجماعات، كشفت عن ضآلة حجم تنظيم داعش الإرهابي وضعفه. وسبقتها عمليات قتالية أخرى في درنة وصبراته، استطاعت، هزيمة خلاياه في هذه المدن، ما زاد من طرح أسئلةٍ عن مزاعم قتال اللواء خليفة حفتر، وداعميه، ضد «الإرهاب» في بنغازي، التي أكملت عامين، دون أن تحقق نصراً فيها.