العدد 1699 /21-1-2026
نائلة خليل
بذريعة جمع السلاح، يواصل جيش الاحتلال الإسرائيلي
عدوانه على المنطقة الجنوبية لمدينة الخليل جنوبي الضفة الغربية لليوم الثاني على
التوالي، لكن الهدف الاستراتيجي هو فرض واقع أمني جديد، في إطار سياسة تستهدف
إحكام السيطرة الإسرائيلية، وإضعاف دور السلطة الفلسطينية، ودفع الضفة الغربية نحو
معادلة "صفر رصاصة" وخلق مرحلة جديدة من السيطرة ومنع أي فعل مقاوم.
ومنذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، كفّت
إسرائيل عن رعاية أو غض البصر عن سلاح العنف في الضفة الغربية، وبإيعاز منها أصبحت
الأجهزة الأمنية الفلسطينية تلاحق أسلحة لم تكن تلاحقها من قبل، وتعتقل عناصر
الأمن بتهمة الاتجار أو حيازة السلاح. وتلهث إسرائيل لتحقيق عدة أهداف في الضفة
الغربية لم تعد تخفى على أحد، أولها أن تكون الضفة الغربية "صفر رصاصة"
يلي ذلك هدف فرض السيطرة الأمنية والمدنية على الضفة الغربية بشكل متدحرج وفي
طريقها لذلك تحقق هدفا آخر وهو تفكيك السلطة وتحويلها لكيانات وظيفية؛ أي خلق نسخة
جديدة من السلطة الفلسطينية.
نحو هندسة الضفة الغربية
ويرى سياسيون وخبراء فلسطينيون أن الاحتلال الإسرائيلي
مستمر في إعادة هندسة الضفة الغربية، وأن المخططات التي نفذتها الجرافات
الإسرائيلية بالفعل في مخيمات نور شمس وطولكرم وجنين، ستتدحرج لتُطبّق على كل الضفة الغربية. ويقول محافظ
الخليل اللواء خالد دودين لـ"العربي الجديد": "لطالما غذّى
الاحتلال وجود السلاح في المنطقة الجنوبية لمدينة الخليل، حيث تعتبر ملاذاً لتجار
السلاح والمخدرات والهاربين من السلطة الفلسطينية ورفض الاحتلال على مدار السنوات
الماضية تسليم المجرمين، كما رفض السماح للأجهزة الأمنية بالدخول لهذه المنطقة
واعتقال المجرمين، بهدف خلق تبرير لما يقوم به اليوم". ويضيف دودين:
"هذا جزء من برنامج هدفه ضرب سيادة السلطة، وعدم السماح للأجهزة الأمنية
بأداء دورها".
ويشير دودين إلى أن جيش الاحتلال ينفذ عشرات
الاقتحامات لمحافظة الخليل يومياً، وهدفه إضعاف دور الأجهزة أمنية وسيادة السلطة،
من أجل إظهار أن لا دور للسلطة الفلسطينية في المناطق التي يجب أن تسيطر عليها حسب
اتفاق أوسلو. والمنطقة الجنوبية في الخليل يعيش فيها نحو 80 ألف فلسطيني، وهي
مصنفة حسب اتفاق الخليل عام 1997 إلى (H2)
أي أنها تحت السيطرة الإسرائيلية الأمنية الكاملة، ويحتاج دخول الأجهزة الأمنية
الفلسطينية إلى المكان تنسيقاً مسبقاً.
ومن المرات النادرة التي حصلت الأجهزة الأمنية
الفلسطينية على تنسيق لدخول المنطقة الجنوبية كان عندما دخلت عناصر من الأمن
الوقائي الفلسطيني بلباس وسيارات مدنية واغتالت الناشط السياسي نزار بنات في
يونيو/حزيران 2021، حيث هرب إلى هناك خوفاً من اعتقاله على يد السلطة الفلسطينية.
المطلوب "صفر رصاصة" في الضفة
الغربية...
ومنذ عام 2007، كان كلاهما، الاحتلال والسلطة
الفلسطينية، يسعيان على حد سواء وراء أي سلاح مقاوم وتحديداً إن كان في يد مقاومين
محسوبين على حركتي "حماس" و"الجهاد الإسلامي"، ولاحقاً بعد
عام 2021 تشكلت الكتائب المسلحة المقاومة في جنين ونور شمس وطولكرم والفارعة
وطوباس وعرين الأسود في نابلس، حيث كانت هذه التشكيلات تضم عناصر من حركة
"فتح" أيضاً، وبات الاحتلال والسلطة يلاحقان بيد من حديد كل سلاح مقاوم.
لكنهم بذات الوقت يغضون البصر عن سلاح يُستخدم
للشجارات، والسلاح الذي يظهر في الأعراس أو عقب نجاح حركة "فتح" في أي
انتخابات طلابية أو محلية، إلى أن أصبح هناك تجارة للسلاح يعرف الاحتلال والسلطة
القائمين عليها، وكيف جمعوا أموالهم بوقت قياسي من هذه التجارة، ومع ذلك لم تتم
ملاحقتهم كما هو الأمر مع المصارف التي يلاحقها الاحتلال بحجة "الإرهاب"
أو الحوالات المالية التي تستولي عليها السلطة، بحجة أنها قادمة لحركة
"حماس" من إيران وغيرها.
التحول الكبير بدأ بعد السابع من أكتوبر 2023، إذ
قررت إسرائيل تطهير الضفة الغربية من السلاح المتبقي، أي السلاح الذي لم يوجه لها
من قبل وتتم حيازته لأغراض الشجار أو التجارة.
وخلال الشهرين الماضيين، اقتحمت قوات الاحتلال
منازل قيادات فتحاوية ورتب رفيعة في أجهزة الأمن، وقامت بمصادرة عشرات من قطع
الأسلحة التي يُعتقد "أنها حيازة شخصية أو للتجارة" في رام الله ونابلس
وبقية الضفة الغربية، والاحتلال أدى مهمة تجدها السلطة صعبة عليها، لأنها لا تريد
أن تصطدم بهذه القيادات من جهة، ولا تريد أن تفقد المزيد من أسهمها الهابطة أصلاً
في تنظيم حركة "فتح".
الأمن الفلسطيني يلاحق عناصره...
في المقابل، تنفذ الأجهزة الأمنية وتحديداً جهاز
الاستخبارات، قيوداً مشددة على أي عنصر أمني تتضح حيازته لسلاح أو الاتجار به، إذ
اعتُقل العشرات من العناصر الأمنية على هذه الخلفية وإيقاع عقوبات كبيرة بحقهم لم
تشهدها الأجهزة الأمنية من قبل. وكل ما سبق أدى لانخفاض سعر الأسلحة المهربة في
الضفة الغربية إلى الثلث، فمن كان يقتني سلاحاً وتسكت عنه السلطة لأنه لا يشكل
خطراً على الاحتلال، بات اليوم ملاحقاً من الجهتين ولا يشفع له تاريخه بوصفه تاجر
سلاح هدفه الأول هو المال وليس المقاومة.
ويرى الخبير في الشؤون الإسرائيلية عزام أبو
العدس، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن جيش الاحتلال يطبق في المنطقة
الجنوبية من مدينة الخليل ما قام به في طولكرم وجنين، من حيث اقتحام كل بيت ومحل
تجاري، وكذلك جمع السلاح حتى السلاح الذي يعرف بسلاح المشاكل لتصل الضفة الغربية
إلى معادلة "صفر رصاصة"، وأيضاً تغيير بيئة المكان بوضع البوابات وإغلاق
الطرق.
السيطرة الكاملة نحو مرحلة جديدة...
ويوضح أبو العدس أن أهداف العملية تتلخص بإشعار
الفلسطينيين أن السيطرة الكاملة للجيش الإسرائيلي، والهدف الثاني الدخول لكل بيت
وتنظيف أي بيئة يعتقد الاحتلال أنها تشكل خطراً عليهم عبر جمع الأسلحة، علاوة على
جعل المجتمع الفلسطيني أعزل بالكامل، أي بعد أن انتهى الاحتلال من سلاح المجموعات
المسلحة كما في جنين وطولكرم ونابلس والفارعة وطوباس، بدأ الآن بتنظيف سلاح
العشائر والعائلات لأن إسرائيل بكل بساطة تعرف أن ما هو قادم في الضفة الغربية
سيدفع الناس للدفاع عن أنفسهم حتى هؤلاء الذين يملكون سلاحاً لم تطلق منه رصاصة
واحدة ضد الاحتلال والمستوطنين في الماضي.
ويقول أبو العدس: "وفق التقييمات
الإسرائيلية، سيغير هذا السلاح اتجاه فوهته في مرحلة من المراحل بدل أن يستخدم في
الشجارات العائلية سيستهدف إسرائيل، لأن الفلسطيني في المرحلة القادمة سيتبع غريزة
البقاء وليس العمل السياسي، وسيكون بمواجهة من مسافة صفر مع المستوطنين".
ويتابع أبو العدس: "إسرائيل تدرك ذلك جيداً، والمرحلة القادمة ستشهد مزيداً
من الاقتحامات والبوابات داخل المدن الفلسطينية، ووجوداً دائماً لجيش الاحتلال في
كل الأوقات".
مرحلة تستهدف السلطة...
وحسب أبو العدس، "فإن المرحلة التالية ستشهد
هجوماً على سلاح السلطة الفلسطينية، وستقوم إٍسرائيل تحت ذريعة ما بجمع سلاح
الأجهزة الأمنية، أو ربما القسم الأكبر من هذه الأسلحة من المخازن والمقار
الأمنية، بحجة أن هناك عناصر أمن يشكلون خطراً على أمن إسرائيل، وغيرها من الذرائع
التي تتقن ابتكارها إسرائيل دائماً". ويقول أبو العدس: "بالتالي، نحن
نتحدث عن أن إسرائيل تريد أن تحول السلطة إلى (صفر رصاصة)، بعد أن انتهت من تحويل
المجتمع الفلسطيني، وأصبح أعزلاً بالكامل ولا يمكنه أن يقوم بردة فعل تجاه أي حدث
قادم".
سيطرة أمنية مدنية إسرائيلية بديلاً عن السلطة
يدرك من يعيش في الضفة الغربية أن إسرائيل منذ أن
بدأت بتدمير مخيمات شمال الضفة الغربية تقومبتجربة أكثر من سيناريو للفلسطينيين، جميعها تحت عنوان واحد هو إعادة
"هندسة حياة الفلسطيني" سواء على صعيد المكان والزمان، وشكل السلطة
الفلسطينية وشكل الاحتلال أيضاً.
جميع ممارسات الاحتلال تفضي بالنهاية إلى إعطاء
شرعية لجيش الاحتلال أمنياً وعسكرياً للعمل بحرية في الضفة الغربية، في حين لم
تغادر السلطة الفلسطينية مقعد المتفرج، بانتظار أن يتم تحويلها إلى كيان وظيفي
يشكّله الاحتلال ليصب في مصلحته أولاً وأخيراً. حتى أشكال الوجود الإسرائيلي في
الضفة الغربية تغيّرت، وبات هناك عدة أشكال ما بين وجود عسكري مدمر بالجرافات
والطائرات، إلى وجود لمجرد استعراض القوة دون هدف واضح إلا الاستعراض وسط المدن
الفلسطينية، بل وارتياد بعض المطاعم ومحال الحلويات لكسر الحواجز مع الفلسطينيين
وصنع صورة أمام الكاميرات، لتغيير صور الاحتلال.
التغيّر بات ملموساً ومن الصعب إنكاره، فعلى سبيل
المثال اعتادت مجموعات "الواتساب" الإخبارية قبل سنوات أن تصف اقتحام
جيش الاحتلال بـ"الاقتحام"، لكن بعد دخول عناصر أمنية لهذه المجموعات
باتت تنقل مصطلح "نشاط للجيش الإسرائيلي"، وبعيداً عن حرب المصطلحات بين
الصحافيين ورجال الأمن، فإن الجميع اليوم يتسائل ماذا يمكن أن نطلق على دخول قوات
الاحتلال مدينة نابلس فقط ليتناول جنودها حلوى "الكنافة"، هل يمكن وصفه
بـ"نشاط ترفيهي"؟!
تحويل السلطة لكيانات وظيفية...
ويقول المحلل السياسي عادل شديد، في حديث مع:
"إن المشروع الأساسي اليوم للاحتلال هو تفكيك السلطة، وهذا بدأ في جنين
وطولكرم، وانتقل إلى الخليل اليوم، بهدف تحويل السلطة لكيانات وظيفية دون أي معنى
سياسي أو وطني".
واقع أمني جديد...
وأصبح من المعتاد أن تنشر شرطة الاحتلال على
مواقعها أخباراً كما نشرت التالي قبل أسبوع على سبيل المثال: "(اليد الطويلة
للشرطة تصل إلى عمق نابلس): قوة مستعربين تداهم (شقة اختباء) في مخيم عسكر وتلقي
القبض على مشتبه به (هارب) بجرائم ابتزاز...."، وبات مصطلح الشرطة في
"يهودا والسامرة" وهو مصطلح إسرائيلي توراتي رسمي والمقصود به الضفة
الغربية، مصطلحاً يومياً على موقع شرطة الاحتلال، والتي باتت سياراتها العسكرية
تقتحم بلدات مثل دورا ويطا في الخليل وتحرر للسائقين مخالفات سير.