العدد 1698 /14-1-2026

وسط حي الشيخ مقصود بحلب، شمالي سورية، تقف ليزا حجوب (55 عاماً) تتفقد بذهول حجم الدمار الذي خلّفه القصف العنيف على المباني والشوارع. منازل مهدّمة جزئياً، نوافذ محطمة، وأثاث مبعثر يختلط برائحة الدخان وغبار البارود. تبدو ملامح الحي وكأنها "مانشيت" لصحيفة وثّقت لتوها انفجاراً عظيماً، وكأن كل جدار وزاوية فيه يحملان شهادة على لحظات الرعب التي عاشها السكان خلال الأسبوع الماضي، حين تحولت حياتهم اليومية إلى اختبار قاسٍ للبقاء، في ظل الاشتباكات التي شهدتها المنطقة بين "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) والجيش السوري.

بدا الدمار في الحي هائلاً؛ مبانٍ انهارت جزئياً أو كلياً، وجدران محطمة تكشف عن غرف خاوية، فيما تحولت المساجد التي كانت يوماً ملتقى للسكان إلى هياكل مشوهة، تحمل مآذنها المكسورة آثار العنف الذي طاول الحياة الدينية والاجتماعية. وفي الأسفل، بدت الشوارع مساراً للخراب؛ سيارات محترقة تصطف بعشوائية، وأفق يملؤه الغبار والدخان، بينما يظل الصمت المطبق هو الصوت الوحيد الذي يرافق الركام، ليذكّر الباقين بأن كل زاوية هنا تخفي قصة فقدان.

حصار تحت النار

خلال الأيام الماضية، كان حي الشيخ مقصود مسرحاً لاشتباكات ضارية بين "قسد" والجيش السوري. تعرض الحي خلاله لقصف متواصل جعل السماء تبدو وكأنها تنطبق على الأرض. وفي خضم ذلك، وجد المدنيون أنفسهم عالقين، إذ منع مقاتلو "قسد" الأهالي من المغادرة، حتى عندما لاحت فرص للنجاة عبر ممرات آمنة. ويصف السكان حالهم آنذاك بأنهم كانوا رهائن بين "أربعة جدران من نار"، وخلف حواجز عسكرية لا تقيم وزناً للحالات الإنسانية.

شيرين، فتاة كردية من سكان الحي تعاني من مرض السكري، تروي معاناتها قائلة: "حاولت الخروج أكثر من مرة بحثاً عن طبيب، لكن محاولاتي قوبلت بالرفض عند كل حاجز". وتضيف بصوت يرتجف: "كنت أسمع أصوات القصف فوق رؤوسنا، وكان خوفي من الموت ببطء نتيجة نقص الدواء أكبر من خوفي من الموت تحت القصف مباشرة".

وتدهورت الأوضاع الإنسانية بشكل حاد بعد خروج المشفى الوحيد في الشيخ مقصود عن الخدمة إثر استهدافه للمرة الرابعة، بالتزامن مع استهداف مباشر لمشفى "عثمان" في حي الأشرفية المجاور، ما فاقم الأزمة الصحية وأثار مخاوف من انهيار طبي كامل.

انسحاب "قسد" وعودة الخدمات

جاءت اللحظة الفارقة بعد أيام من الاشتباكات، إذ أعلن الجيش السوري تمشيط حي الشيخ مقصود بالكامل، ممهداً الطريق لخروج آخر دفعة من عناصر "قسد" باتجاه مناطق شمال شرق سورية، ضمن ترتيبات أمنية لضمان عدم حدوث خروقات. ومع تسلل الهدوء الحذر إلى المنطقة، باشرت الجهات الحكومية جهودها لإعادة ترتيب الأوضاع؛ حيث وصلت فرق الطوارئ والإغاثة لتأمين الغذاء والمياه، وبدأت وحدات الهندسة بإزالة الألغام ومخلفات الحرب لتأمين الشوارع. كما افتُتحت مراكز طبية مؤقتة لإسعاف المرضى الذين حوصروا لأيام.

وفي خطوة لإنعاش الحي، بدأت ورشات الصيانة بترميم شبكات الكهرباء والمياه المتضررة، حيث أعلنت الجهات المعنية عودة التيار الكهربائي وضخ المياه تدريجياً منذ الصباح الباكر، ما شكّل "بصيص أمل" للسكان. وفي مؤتمر صحافي، قال محافظ حلب، عزام الغريب، إن الأوضاع الأمنية تشهد تحسناً ملحوظاً في حيّي الشيخ مقصود والأشرفية، مشيراً إلى أن الجهات المعنية تعمل على مدار الساعة لتثبيت الأمن وضمان عودة الحياة الطبيعية. وأضاف الغريب أن "الحكومة عملت منذ اللحظة الأولى على تهيئة الظروف لعودة النازحين"، مؤكداً استمرار العمل لاستعادة النشاط اليومي في المناطق المتضررة.

اليوم، وبعد توقف المعارك، تبدو الشوارع أكثر هدوءاً، والخراب شاهداً على ما مرّ به السكان. ورغم أن غبار المعارك بدأ ينجلي عن الجدران المتهدمة، إلا أن ذكريات الأيام العصيبة والخوف الذي فرضه المسلحون بالقوة، لا تزال راسخة في أذهان الناجين، لتظل شاهداً على كلفة الصراع، وتذكيراً بأن الحياة لا تُبنى إلا باستعادة كرامة الإنسان وأمانه.