العدد 1700 /28-1-2026

أحمد سعداوي

منذ أسابيع، وخصوصاً بعد استيلاء حكومة دمشق على مخيّم الهول، الذي يضمّ عائلات الإرهابيين، ومشتبهاً فيهم بتهم شتّى، تُصعِّد المليشيات العراقية خطابها التحذيري من "الخطر السوري"، وتقدّمه بوصفه تهديداً وشيكاً يستدعي التعبئة والاستنفار، وربما إعادة إنتاج أدوار أمنية وعسكرية خارج إطار الدولة الرسمي. غير أن هذا الخطاب، عند تفكيكه بهدوء وربطه بالوقائع الميدانية، يبدو أقلّ ارتباطاً بمفاهيم الأمن القومي الفعلي، وأكثر التصاقاً بحاجات سياسية وطائفية داخلية، تبحث عن ذرائع متجدّدة للبقاء والتوسّع في فضاء السلطة.

شاهدنا سياسيين وإعلاميين وقادة مليشيات يستعرضون شجاعتهم أمام الحدود العراقية السورية، التي لا تعاني من أيّ مشكلة، ويقدّمون أنفسهم في هذه المقاطع والصور الاستعراضية على أنهم حماة البلد.

العراق، في الحقيقة، وخلافاً لما يُروَّج في منصّات التعبئة الإعلامية، لا يقف اليوم أعزل أمام حدوده الغربية. خلال السنوات الماضية، راكمت المؤسّسات الأمنية والعسكرية الرسمية خبرةً ميدانيةً واضحةً في إدارة وتأمين الحدود، سواء عبر الانتشار العسكري المنظّم، أو تفعيل العمل الاستخباري الاستباقي، أو الاعتماد على تقنيات المراقبة الحديثة. كما أن التجربة القاسية التي خاضها العراق في مواجهة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) حوّلت مسألة ضبط الحدود إلى أولوية استراتيجية ثابتة، لا استجابة ظرفية لخطاب التخويف. لذلك فإن تصوير الدولة على أنها عاجزة عن صدّ أيّ تهديد قادم من الجوار السوري لا يستند إلى معطيات حقيقية، بقدر ما يعكس رغبةً متعمَّدة في تقويض الثقة بمؤسّساتها الشرعية.

الأخطر من ذلك أن ما يجري تسويقه اليوم بوصفه تطوّراً دراماتيكياً ومفاجئاً على الحدود السورية – العراقية ليس جديداً بالمعنى الاستراتيجي، فالقطاع الممتدّ بين القائم والتنف، والذي يبلغ طوله قرابة 300 كيلومتر، كان خاضعاً منذ فترة لسيطرة الحكومة في الجانب السوري، وما يُتداول اليوم إعلامياً لا يعدو استكمالاً لهذه السيطرة، وليس انقلاباً جذرياً في موازين القوى ولا تهديداً وجودياً مستجدّاً. غير أن المبالغة المقصودة في توصيف هذه التحرّكات تخدم "سرديةَ الخطر الداهم" التي تحتاجها المليشيات لإعادة شدّ العصب الجماهيري.

ليست هذه السرديةُ بريئةً، ولا يمكن فصلها عن السياق السياسي الداخلي. فبعد سنوات من استهلاك "فزاعة داعش"، وتراجع قدرتها على حشد الشارع بذريعة "مكافحة الإرهاب"، وجدت هذه الجماعات نفسها أمام تآكل واضح في شرعيتها. ومن هنا برزت الحاجة إلى اختراع تهديد بديل يعيد لها تموضعها "درعاً حامياً"، وهذه المرّة تحت عناوين طائفية تحذّر من أخطار خارجية متخيَّلة أو مضخّمة. في هذا السياق، يتحوّل الأمن من وظيفةً سياديّةً للدولة إلى سلعة سياسية، ومن مسؤولية وطنية عامّة إلى أداة ابتزاز تُستخدَم في مواجهة المجتمع كلّما تصاعدت المطالب بحصر السلاح بيد الدولة.

المفارقة أن التحوّلات الإقليمية والدولية تسير في اتجاه معاكس تماماً لما تروّجه هذه القوى. فالعواصم المؤثّرة باتت تميل إلى تثبيت الحدود الدولية، والتعامل مع حكومات مركزية واضحة، وتقليص المساحات الرمادية التي تعيش منها الفصائل المسلحة. كما أن منطق "الميليشيا الحارسة" لم يعد مقبولاً، لا دولياً ولا داخلياً، في ظلّ حالة الإنهاك المجتمعي من الحروب المفتوحة والخطابات التعبوية التي لا تبني دولة ولا تحقق استقراراً.

إن الخطر الحقيقي الذي يواجه العراق لا يأتي من حدوده الغربية، بقدر ما ينبع من الداخل: من استمرار استخدام الخوف وسيلةً لإضعاف هيبة الدولة، وإدامة ازدواجية السلاح، وتحويل المجتمع رهينةً لسيناريوهات أمنية مفترضة. فالدولة التي يُراد لها أن تُصوَّر عاجزةً عن حماية حدودها هي نفسها التي يُطلب منها لاحقاً إدارة اقتصاد منهك، وإعادة إعمار بلد مُتعَب، وبناء حدّ أدنى من الاستقرار.

بين الخطرين، الفعلي والمُصنَّع، تظهر المليشيات مرّة أخرى بوصفها صانعةً للأوهام لا حامية للأمان. والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم لم يعد: هل العراق مهدَّد؟ بل: من المستفيد من إبقائه في حالة خوف دائم، ومن تعطيل اكتمال دولته كلّما اقتربت من استعادة عافيتها؟