العدد 1429 / 23-9-2020
بشير البكر

كل ما صدر عن إيران من مواقف حيال التحالف الإماراتي البحريني الإسرائيلي لا يرقى إلى مستوى الحدث الذي يعنيها مباشرة. وحتى توقيع الاتفاق في البيت الأبيض، يوم الثلاثاء الماضي، اكتفت طهران بإصدار بيانات تحذر وتنصح وتشجب بلغةٍ متفاوتة المستوى، الأمر الذي أثار أسئلةً كثيرة تجاه هذا السلوك ويمكن التوقف أمام موقفين صدرا عن قادة عسكريين. الأول بعد أيام قليلة من إعلان الاتفاق، لرئيس الأركان العامة للقوات المسلحة الإيرانية، اللواء محمد باقري، إن "نهج طهران تجاه الإمارات سيتغير .. إذا حدث شيء ما في منطقة الخليج الفارسي، وتضرّر أمننا القومي مهما كان الضرر صغيرا، فسنحمّل الإمارات مسؤولية ذلك، ولن نتهاون معه". والموقف الثاني صدر عن اللواء علي فدوي، نائب قائد الحرس الثوري الإيراني، في 22 آب الماضي، إن بلاده لن تسمح بفتح أبواب المنطقة لإسرائيل، عبر بعض دولها، محذّرا هذه الدول، من دون ذكر اسمها، من تداعيات التعاون مع إسرائيل. وأضاف فدوي أن أي "خطوة لفتح أبواب المنطقة للكيان الصهيوني ستجلب الهزيمة والمذلة للدول التي تتعاون مع إسرائيل"، مؤكّدا أن هذه الدول لن تكون في مأمن من تداعيات خطوات التطبيع، وأن "قصور حكامها الزجاجية لن تحميهم أمام قوة الثورة الإسلامية، ولن تصمد أمام أحجار أطفال فلسطين"، حسب تعبيره.

وثمّة من يخمّن أن السلطات الإيرانية التي فوجئت بالاتفاق تدرس المسألة بروية، ولا تريد إصدار مواقف حادّة، قبل أن تنتهي من التقييم الشامل للاتفاق الذي تأخر إعلان نصه الحرفي، وتريد لموقفها أن يكون مبنيا على الوقائع، بعيدا عن الشعارات والتهويش، وهذا يحتمل عدة سيناريوهات: الأول أن يستمر الوضع مائعا كما هو عليه اليوم. والثاني أن يصدر موقف وسط. والثالث أن تفتح طهران خطوط بحث سرية، كي تصبح طرفا في الاتفاق، من منطلق الوصول إلى تفاهم مع الولايات المتحدة وإسرائيل بشأن أمن الخليج. وهذا يعني بناء شراكة تتجاوز في مضامينها وعناصرها الإتفاق النووي الذي وقعته مع الولايات المتحدة في العام 2015 مع الإدارة الأميركية السابقة.

قام الاتفاق الإماراتي البحريني مع إسرائيل على خطورة إيران على أمن الخليج، وأبلغ تعبير عن هذه الزاوية قول وزير الخارجية الأميركي، مايك بومبيو، ساعات قبل توقيع الاتفاق إن الإمارات والبحرين "أدركتا حقيقة التهديد الذي تشكله إيران". وسبقه إلى ذلك إطلاق البحرين على الاتفاق اسم "اتفاق حماية". وكان لافتا أن الناطق باسم الخارجية الإيرانية اكتفى، قبل التوقيع، بتوجيه النصح إلى واشنطن من "خوض مغامرة جديدة في المنطقة، لأنها ستؤدي إلى زعزعة الأمن". وكما نلاحظ، تدور المسألة كلها حول الأمن، ويمكن لهذه القضية أن تكون نقطة لقاء وليس افتراقا، وعامل تفاهم وليس تصادما، وطريقا إلى السلام وليس الحرب. وهناك سجال طويل بين واشنطن وطهران. وفي مرّات كثيرة، درس الطرفان مشاريع لأمن الخليج وأدوار جميع الأطراف، وكانت الخلافات قائمةً بشأن الحصص والأدوار، وليس حول المبدأ. والجديد في هذه القضية هو دخول إسرائيل طرفا مباشرا في معادلة أمن الخليج، برعاية الولايات المتحدة. وقد يكون من مصلحة إيران الذهاب إلى تفاهم، بذريعة أن سلوك طريق الحرب لن يستفيد منها أحد في منطقةٍ تحتوي على أكبر احتياطي من الثروات الباطنية في العالم.

فشلت الإدارة الأميركية في تحقيق اختراق فعلي بين إسرائيل والفلسطينيين، بسبب تبنيها الموقف الإسرائيلي، وإذا نجحت في احتواء الموقف الإيراني، واستقطاب إيران إلى الاتفاق، فإنها تقلب المعادلة وتخلط الأوراق في المنطقة.