وجهة نظر

الدائرة الانتخابيّة ليست وطناً
26/04/2018 - أيمن حجازي

في الانتخابات النيابية اللبنانية نجد لغة شائعة لدى معظم المرشحين تقتصر على دوائرهم الانتخابية، التي تصبح كلها محرومة وبحاجة ماسة إلى مياه الشفة والكهرباء والمستشفيات الحكومية ومراكز التربية والتعليم والمرافق السياحية، فتغدو هذه الدائرة ضحية متألمة لكل أشكال الاهمال الرسمي. وتغيب بين ثنايا هذه الحاجات المناطقية كل مصائب الوطن في كافة مناحيها الاقتصادية والاجتماعية والتربوية والصحية، فضلاً عن المناحي السياسية التي لا تقل أهمية عن سابقاتها.
وتضيق مساحة الوطن لدى كل مرشح، حتى تتحول الدائرة الانتخابية الى وطن بديل يبذل فيه طلاب المقاعد النيابية جهدهم لحصد الأصوات واسترضاء الناخبين، في عملية استغباء يقع تحت وطأتها الناخب الكريم الذي يتوهم أن قضاياه الضيقة المتعلقة بخدمة مدينته أو قريته، هي ما يجب ان يجنيه من المرشح أو النائب في موسم الانتخابات. هذا فضلاً عن الشؤون الخدماتية المتعلقة بتأمين وظائف رسمية أو فرص عمل في القطاع الخاص.
ان ما هو صحيح وصائب في هذا المجال، يتجسد في طرح المشكلات العامة للمواطنين التي تطاول قضاياهم الاقتصادية والاجتماعية والصحية والانمائية المشتركة، ما يشكل خياراً جذرياً فاعلاً في حل المشاكل الكبرى التي تخضع لها كل التفاصيل والمفردات التي تهمّ المواطن السويّ العاقل الذي لا يرضى بخدمات جزئية تأتي بشكل رشوة وقحة من قبل المرشح، ورشوة حمقاء من قبل الناخب الذي يرضى بها. هي رشوة وقحة لأنها خدمات إما أن تكون من حقه الطبيعي كفتح طريق أو تزفيت أوتوستراد أو إنارة منطقة أو فتح منشأة صحية أو تربوية رسمية، وهي مدفوعة التكاليف من قبل المواطن من خلال الضرائب التي يؤديها الى خزينة الدولة. وإما أن تكون عملية احتيال وتزوير يتورط فيها المرشح والناخب إن هي طاولت توظيف من لا كفاءة له أو منحه بعض الامتيازات التي لا يستحقها. وهذا ما ينبغي ان ندركه من خلال الاطلاع على العمليات الانتخابية في أيٍّ من دول العالم التي تحترم فيها حقوق الانسان والناخب والمواطن، وحيث الحصول على المنجزات الإنمائية أمر بديهي بسيط ليس لأحد من السياسيين منة فيه على الناس، وحيث تسير الحياة في تلك المجتمعات وفق آليات تصان فيها الحقوق الطبيعية دون تصفيق أو هتاف لأحد من القادة والساسة الذين يتبارون في كل موسم انتخابي في تكثيف خدماتهم بغية تكثيف الناخبين لأصواتهم في صناديق الاقتراع.
في تلك الدول والمجتمعات تتبارى البرامج العملية وتنحسر برامج الثرثرة والكلام الأجوف الكاذب الذي لا يغني ولا يسمن من جوع. وفي كثير من الأحيان تكون الفروقات ما بين البرامج ضئيلة نسبياً، فهي لا تطاول أسس النظام، بل هي فروقات تتناول حجم الضمانات الاجتماعية أو الصحية.
قد يقال لي: «لا تكبّر الحجر» ولا تأخذنا في نظريات الى مجتمعات مختلفة عنا اختلافاً جذرياً، وأول هذه الاختلافات يتعلق بالتقدم العلمي الذي تتسم به هذه المجتمعات في مقابل التخلف الذي تعاني منه مجتمعاتنا العربية والإسلامية.
ولكن ألا يمكن أن نتحرر من وطأة الشعارات الانتخابية الضيقة المتعلقة بهذه الدائرة أو تلك، والبحث عن هموم لبنانية عامة متعلقة باقتصاد البلد وماليته وهموم الصناعة والزراعة والتجارة والانتاج في كل هذه القطاعات؟ ألا ينبغي ايجاد استراتيجية واضحة حيال الاستدانة القاتلة التي تُعتمد في البلد منذ 1992؟ وكل ذلك على سبيل المثال لا الحصر حيث ينبغي ان نحترم عقولنا وعقول الناخبين الأبرياء أو المتهمين على حد سواء.