كلمة طيبة

قطر تستثمر الحصار وتنطلق لمزيد بناء واستقلال
24/05/2018 - عبد الله العمادي

قرار متهوّر أقدمت عليه دول خليجية ثلاث -بمعية نظام عسكري حاكم في مصر- بمحاصرة قطر، لكن الأمر خرج عن إطار التنظير والتوقع والتخطيط، فها نحن على موعد أكمل فيه الحصارُ عاماً كاملاً، وحصدت قطر ما لم تكن هي تتوقعه، فعاد هذا الحصار عليها إيجاباً على عكس ما توقعته دول الحصار وغالبية المراقبين.
نقطة ابتدائية لا بدّ من الإشارة إليها ونحن نتحدث عن عام سيكتمل على الحصار؛ وهي أن قطر -إثر أزمة سحب السفراء عام 2014- شعرت بأن الوضع لم يعد آمناً بعد تلك الخطوة، التي تُعتبر في العرف الدولي الخطوة الأخيرة قبل الحسم العسكري، وهذا ما دعا الدوحة إلى التعامل مع الموقف أو الأزمة بشكل سياسي، وأن تكسب الوقت لإجراءات تعتزم القيام بها، فنجحت في الأمر.
محنة الحصار -إن صح وجاز لنا التعبير- لم نشعر بها، لا نحن المواطنون ولا المقيمون معنا في هذا البلد، بالصورة التي يمكن أن توحي بها كلمة الحصار، إلا أن هذا الحصار كانت له -بلا شك- آثاره النفسية والاجتماعية والاقتصادية على المدى البعيد، ليس على قطر فحسب بل وكذلك على كل دول الحصار.
احتياطات واكتفاء ذاتي
اتخذت التدابير اللازمة لمواجهت الأزمة، ولكن في هدوء مدروس وغير لافت للأنظار.
فكان التخزين الاستراتيجي للسلع الأساسية سواء بالداخل أو الخارج، وجرى التدريب على السفر جواً في مسارات جديدة للخطوط الجوية القطرية، وإنشاء ميناء دولي ضخم يرتبط بالعالم دون الحاجة إلى موانئ الجوار، ودون ضجيج إعلامي أيضاً أو إعلان صريح عن الهدف الاستراتيجي من ميناء حمد الدولي، إضافة إلى قيام الدوحة بعقد تحالفات دفاعية مع قوى ذات وزن أهمها الدولة التركية، وكان ذلك أواخر عام 2015.
من الأمور المهمة التي لا بدّ من استثمارها والعمل عليها لمثل هذه الأوقات؛ الاكتفاءُ الذاتي من الطعام والشراب. فنحن دولة صغيرة وعدد سكانها محدود مقارنة بمن حولنا، وبالتالي ستكون الجغرافيا والديموغرافيا عوامل مساعدة تدفعنا وتشجعنا على تحقيق الاكتفاء الذاتي للإعاشة اليومية كخطوة أولى استراتيجية.
ويجري ذلك عبر دعم الصناعة والزراعة المحلية، وفي الوقت ذاته بالتخطيط لعمل استراتيجي متعلق بمجالَي الصناعة والزراعة أيضاً، ولكن في مناطق خارج البلاد، بحيث يعمل الداخل مع الخارج في وقت السلم والرخاء، حتى إذا ما تعطل الداخل لأي سبب يكون الخارج هو السند والبديل الجاهز.
لقد كان التوجه القطري قبل الأزمة هو المحافظة على التكامل الخليجي في مجالات اقتصادية متنوعة، وعدم الدخول في تنافس مع دول مجلس التعاون الخليجي في مجالات التصنيع الغذائي.
وبحسب تقديرات محللين اقتصاديين؛ قد تصل قطر إلى حد الاكتفاء الذاتي في بعض المستهلكات اليومية من الطعام والغذاء قبل نهاية العام الجاري، وصولاً إلى منتجات ومستهلكات أخرى.
استقلال سياسي واقتصادي
لقد تعافت قطر اقتصادياً بشكل سريع بعد أشهر قليلة من بدء الحصار، وصار الاقتصاد القطري هو الأسرع نمواً في المنطقة بشهادة صندوق النقد الدولي، الذي قال -في بيان أصدره بعد زيارة وفده لقطر في آذار الفارط- إن التداعيات الاقتصادية والمالية المباشرة للأزمة بين قطر ودول الحصار بدأت تتلاشى، ويرى الصندوق أنه رغم تأثر النشاط الاقتصادي فإن ذلك كان لفترة قصيرة، وأن قطر تمكنت من إنشاء خطوط تجارية جديدة بشكل سريع. وبالمثل تعافى القطاع المصرفي القطري من نزوح الأموال وتمكن من التكيّف، بعد أن ضخ مصرف قطر المركزي وجهاز قطر للاستثمار سيولة في البنوك.
خلاصة ما يمكن قوله بعد مرور نحو عام على بدء حصار غير مبرر وجائر؛ هو أننا في قطر -حكومةً وشعباً- نراهن على الوقت. فكلما طال الوقت ضاق الحصار، ليس على قطر فقط بل وعلى الرباعي المتأزم (إن صح التعبير).
ولا أشك لحظة في أن الأمور تتجه نحو هذا المسار، وتأكيدات أمير قطر -في خطاباته الأخيرة وخاصة خطاب افتتاح دور الانعقاد الجديد لمجلس الشورى لهذا العام- أفادت بأن قطر لن ترجع كما كانت قبل 5 حزيران 2017.
وتلك إشارة واضحة إلى أن قطر تغيرت، بل ولا بد أن تتغير وتأخذ بزمام أمرها وتتولى هي بنفسها جميع أمورها، وتتجه نحو الاستقلالية في القرار السياسي والاقتصادي، بعيداً عن تأثيرات هذا وذاك من المحيط إلى الخليج، ولا سيما دول الحصار، «فنحن بألف خير بدونها»؛ هكذا قال أمير قطر.}