العدد 1399 / 5-2-2020

د. وائل نجم

بعد تأجيل لعدّة مرّات، كشف الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، ما سمّاه رؤيته للسلام في المنطقة، المتعارف عليها إعلامياً بـ"صفقة القرن"، وذلك بحضور رئيس حكومة كيان الصهيوني، ومسؤولين آخرين من الكيان، فضلاً عن سفراء بعض الدول العربية. وقد تضمّنت "رؤية ترمب" إقامة دولة فلسطينية منزوعة القوة والحدود والسيادة والقرار المستقل وكل ما يمكن أن يمتّ إلى مصطلح الدولة بصلة. كما تغافلت "الرؤية" عن حقوق الفلسطينيين بأرضهم ومقدساتهم، ومن ذلك حق العودة إليها. وكذلك إقامة دول خاصة باليهود، فضلاً عن تحميل الدول العربية كلفة تنفيذ هذه "الرؤية".

بالطبع قد يكون هذا الجانب المعلن من "الرؤية"، أمّا الجانب غير المعلن فهو يتصل بكل المنطقة من خلال رسم مستقبلها وتقرير مصيرها بما يحوّل كيان الإحتلال الإسرائيلي إلى عنصر طبيعي في المنطقة، بل وإلى الشرطي فيها من خلال تحويله إلى القوة الرئيسية والأساسية فيها عبر تفتيتها وتقسيمها إلى دويلات عرقية وطائفية ومذهبية سواء بشكل مباشر أو من خلال صيغ أخرى تعتمد أشكالاً أقلّ نفوراً إلا أنّها في جوهرها تقود إلى إضعاف دول المنطقة لحساب تقوية كيان الاحتلال.

الموقف الفلسطيني الرسمي والشعبي حتى الساعة يُعتبر جيداً، فالجميع رفض "الرؤية"، والجميع أكد على أنه سيعمل على مواجهتها، ولكن تبقى العبرة بالتنفيذ والتطبيق. وهنا تجدر الإشارة إلى ضرورة اتخاذ السلطة الفلسطينية خطوات عملية تعزّز الموقف الفلسطيني من خلال التخلّي عن مسألة التنسيق الأمني المباشر أو غير المباشر مع الاحتلال، وقطع العلاقات معه، وإطلاق سراح المعتقلين من أبناء الفصائل الفلسطينية، وإشاعة جو عام من المواجهة الميدانية مع الاحتلال خاصة في الضفة الغربية والقدس، وهما الآن محور الاهتمام الإسرائيلي لناحيتي التهويد والاستيطان.

كما أن الفصائل الفلسطينية الأخرى مطالبة بالتعامل بشكل أكثر مرونة فيما يتصل بتعزيز الموقف من خلال الالتفاف حول مشروع إسقاط "الرؤية" على اعتبار ذلك يتجاوز كل الانقسامات ويُعدّ التحدّي الأول بالنسبة للشعب الفلسطيني في هذه المرحلة.

عربياً تفاوت الموقف الرسمي بين دول شاركت في صناعة "الرؤية" كما ورد في بعض المعلومات، وهذه الدول منخرطة بشكل كبير في التآمر على الشعب الفلسطيني وعلى قضيته، وتريد التخلّص من هذه القضية بأي ثمن من الأثمان، وباتت هذه الدول وحكوماتها معروفة ، وقدعبّرت بشكل خجول عن موقف يرفض "الرؤية" في بعض المناسبات، إلا أنّ سياستها الميدانية تكشف حجم التآمر من أجل إنجاح هذه "الرؤية".

وهناك دول أخرى تقبل وتعمل ضمناً على إنجاح "الرؤية" وتنخرط بكل ما من شأنه إنجاحها، إلاّ أنّها ترفض في العلن، وتتظاهر بالوقوف إلى جانب الشعب الفلسطيني وتتبنّى مطالبه. وهذه الدول أيضاً تُعدّ شريكة في الجريمة، ومتآمرة على الشعب والقضية الفلسطينية، وتريد تبديل الأولويات بحيث يصبح العدو الأول في المنطقة دول أخرى كـ "تركيا" و "إيران".

وهناك دول أخرى أعلنت رفضها لهذه "الرؤية" غير آبهة بما يمكن أن ينتج عن ذلك من تداعيات، وهي أكدت على وقوفها إلى جانب الشعب الفلسطيني وقضيته المركزية.

أمّا على مستوى الشعوب العربية فإن معظم الشعوب العربية تقف إلى جانب الشعب الفلسطيني على الرغم من انشغالاتها بمآسيها وأزماتها اليومية المعقّدة. وكذلك القوى الحيّة في أمتنا.

"الرؤية" الأمريكية أو "الصفقة" أو "الصفعة" تحمل الكثير من عوامل الضعف، في مقابل أن الرافضين لها يتمتعون بالكثير من عناصر القوة، وبالتالي فإن تنفيذها ليس قدراً محتوماً، وبإمكان القوى والدول والشعوب الرافضة لهذه "الرؤية" إسقاطها وإنهاءها، وبالتالي إفشال المخطط الأمريكي لكل المنطقة، إلا أنّ ذلك يتطلب التخلّي، في هذه الفترة، عن الحسابات الضيّقة والخاصة والفئوية، وجعل إسقاط هذه "الرؤية" أولوية الأولويات حتى يتم تحقيق ذلك، ويظل الشعب الفلسطيني رأس الحربة في هذا المشروع وعليه التعويل الأساسي.