سياسة قتل الوقت، أو هدر الاستحقاقات الهامة في البلد، سواء كانت دستورية أو إلزامية تسبب الفراغ وتعطيل الحياة السياسية.. باتت ملازمة لمسار الحياة السياسية في لبنان، حتى بات أي مسؤول، نائباً كان أم وزيراً لا يوثّق أي موعد دستوري، حتى الانتخابات البلدية والاختيارية بات الحديث عنها كاحتمال، على الرغم من أن ما يفصلنا عنها ليس أكثر من أيام قليلة.
أما المتسببون في العطيل، فلا يخجل الواحد منهم حين يتحدث عن إجراء الانتخابات الرئاسية أو النيابية من طرح الشروط على الآخرين، من خلال الحرص على اتهامهم بـ«عدم احترام الدستور والميثاق منذ سنوات، استناداً إلى الشرعية الميثاقية والشعبية التي يجب أن تتوافر فيه»، كأن هذه الشرعية الميثاقية تبرّر تعطيل الدستور وتفريغ مؤسسات الدولة (الرئاسية والنيابية) من أداء دورها وانتخاب من يديرها.
وهنا لا بدّ من الاعتراف بأن قوى 8 آذار، مع مرشحَيْها لرئاسة الجمهورية: ميشال عون وسليمان فرنجية، أفلحت في خطة تعطيل الحياة السياسية في البلد، من خلال السماح بإجراء الانتخابات البلدية والاختيارية في موعدها، في هذا الوقت الضائع، لأن هذه الانتخابات لا تحمل طابعاً سياسياً، ولا تدفع عجلة الحياة السياسية خطوات إلى الأمام. ورغم هذا فإن تعطيل الانتخابات في هذه الدائرة أو تلك ما زال مرتهناً بعدم وقوع أي حدث أمني، وإذا ما وقع ذلك فإن تأجيل الانتخابات يقتصر على الدائرة وحدها، كما قال أحد وزراء هذا التيار، كاحتياط وارد الحدوث في أي دائرة لا يضمن فيها فريقه تحقيق ما يصبو إليه من نتائج.
أما الميثاقية التي يتبجح البعض بالحديث عنها، فقد وردت في مقدمة الدستور، فبعد الحديث عن «لبنان وطن سيّد حرّ مستقل»، وأنه «جمهورية ديمقراطية برلمانية».. تتحدث الفقرة (ح) عن أن «إلغاء الطائفية السياسية هدف وطني أساسي يقتضي العمل على تحقيقه وفق خطة مرحلية». أما المادة 95 من الدستور فتتحدث بوضوح عن هذا الجانب بالقول: «على مجلس النواب المنتخب على أساس المناصفة بين المسلمين والمسيحيين اتخاذ الاجراءات الملائمة لتحقيق إلغاء الطائفية السياسية وفق خطة مرحلية، وتشكيل هيئة وطنية برئاسة رئيس الجمهورية، تضم بالإضافة إلى رئيس مجلس النواب ورئيس مجلس الوزراء، شخصيات سياسية وفكرية واجتماعية».. فأين هي هذه الهيئة، وأين هو الرئيس الذي يشكلها، وصولاً إلى تحقيق الوصول إلى إلغاء الطائفية السياسية في جميع الميادين؟! لا أحد يتحدث اليوم عن إلغاء الطائفية السياسية، مع أنه بند أساسي في دستور الطائف الذي أجازه مجلس النواب اللبناني، وانما برزت مقولات بديلة، مثل شروط الميثاقية الطائفية والمناطقية، وحجم التمثيل الطائفي الذي يشكله المرشح لأي موقع في السلطة، لا سيما رئيس الجمهورية.
حتى التراجع عن الاستحقاق الرئاسي إلى اجراء الانتخابات النيابية، فقد بات هذا الاستحقاق مطوّقاً بعقبات يصعب تطبيقها أو التزامها. ذلك أن اجراء هذه الانتخابات يحتاج إلى اجازة قانون جديد، عصري وعادل للانتخابات النيابية. وهذا القانون تحتاج اجازته إلى جلسات متوالية للهيئة العامة للمجلس النيابي الحالي، المطعون بشرعيته لدى البعض، بعد النظر في المشاريع السبعة عشر في اللجان النيابية. وهذا ما يبدو متعذراً أو مستحيلاً هذه الأيام، خاصة أن هذه المشاريع متناقضة ومتباينة، بدءاً من القانون الأرثوذكسي، مروراً بالنسبيّة، وصولاً إلى اعتبار لبنان دائرة انتخابية واحدة.. وأين هذا كله من النص الدستوري على إلغاء الطائفية السياسية، أو مجرد تشكيل الهيئة المنوط بها اعتماد هذا المشروع.
هنا يبرز موقف لسياسي اعتزل موقعه في وزارة الداخلية منذ سنوات، وانصرف للعمل كرئيس لمنظمة الانتربول الدولية، الوزير السابق الياس المرّ، الذي خرج عن صمته ليدلي بتصريح قال فيه: «العالم كله يقف إلى جانب لبنان في انتخاب رئيس الجمهورية.. والبعض يستعجل قانون الانتخاب لكي يستغله في الانتخابات البلدية، والبعض الآخر لديه قناعة بضرورة اقرار قانون الانتخابات ونحن منهم. ولكن توقيت الموضوع اليوم غير بريء»، وسأل: «هل يجوز أن ننزل إلى المجلس ونصوّت على قانون انتخاب ولا ننتخب رئيساً في هذه الجلسة.. ما هذا المنطق؟ البعض يتكلم عن قانون الانتخابات وأنه أولوية ومهمّ، ولكن الأهم للبلد ليبقى أولادنا ومستقبلهم هو أن ننتخب رئيساً، لذلك فإن الذي يصعّد اليوم ويناشد لإقرار قانون انتخاب.. فليتفضلوا إلى المجلس وينتخبوا رئيساً، وبعدها يقرّون قانون الانتخاب الذي يتفقون عليه..».
هذا الكلام ليس جديداً، وقد توافقت عليه تيارات سياسية عريضة، لكن المشكلة هي أن أي جلسة عامة، سواء كانت من أجل انتخاب رئيس للجمهورية أو لاقرار قانون جديد للانتخابات، تحتاج إلى نصاب ثلثي أعضاء المجلس النيابي، إلا إذا جرت الموافقة على مشروع القانون الذي تقدم به الوزير جان حرب وينص على أن شرط الثلثين يكون في الجلسة الأولى، أما في الجلسات التالية فأغلبية النصف زائد واحداً تكفي لتوفير النصاب وانتخاب رئيس الجمهورية أو اقرار قانون جديد للانتخابات. لكن بعد هذا وقبله يأتي الشرط الجديد الذي ابتدعه البعض، وهو الميثاقية، وتمثيل الكتل النيابية ذات الطابع الطائفي التي يمثلها الرئيس المرشح.
نخلص من كل هذا الى أن البلد ما زال يعاني أزمات متلاحقة، نحمد الله أنها لم تصل إلى مستوى الانفجار الأمني، وانما هي ما تزال في نطاق التأزم السياسي، سواء تمثلت بالفراغ الرئاسي أو التعطيل النيابي، ولا يخفى على أحد أن صاحب المصلحة معروف وموصوف، وسواء كانت هذه المصلحة محل اعتبار لدى قطاع واسع من اللبنانيين أم أنها مصلحة شخصية أو حزبية.. فإن الضرر الذي يلحقه هذا الموقف بلبنان واللبنانيين كبير ومؤثر، ذلك أن اللبنانيين يفاخرون بالديمقراطية التي يمتاز بها بلدهم، والحرية التي تمتد من العمل السياسي الى الإعلامي وغير ذلك. أما الاقتصاد فهو المتضرّر الأكبر من كل ما يجري. وأما الأمن فنسأل الله أن يديم علينا بعض ما بقي منه، لأن ما أصابنا من اضطراب أفسد على اللبنانيين ما كانوا يتمتعون به من رخاء، عائده السياحة والاصطياف.. وهذا ما تبخر، وربما إلى غير رجعة.