داؤنا و دواؤنا

مِن مَظالِم النِّساء
14/09/2017 - الشيخ نزيه مطرجي

خلفَ جُدران البيوت خزائن حُبلى بالخفايا، ووراءَ الأسوارِ أسرارٌ وخبايا، تستخفي فيها أحداثٌ ومآسٍ، وتتوارى مآثم ومَظالم (مُفردها ظُلامة)، وتختنق صيحاتٌ وعِبَر، وتحت أسقُفِها تدور حِكاياتُ العُدوان الذي يُمارسه البُعول على إماء الله، وتجري فصول مُصادرة الحقوق، ومُجاوزة الحدود، والخروج عن الشهود من شريعة المولى المعبود عزّ وجل، تحت عنوان: قِوامة الرجال على النساء التي بيّنها ربّ العزة والجلال في قوله: {الرجالُ قوّامون على النساء بما فضَّل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا مِن أموالهم} النساء-34، يتسلَّح أهل الجهل بحِبال الوَهْم، ويستغِلّون رُجولتهم ليقترفوا المخالفات، ويبتدعوا الـمُحدَثات التي تعارض الآيات البيِّنات!
إنه ليس من الدِّين في شيء أن تكون الزوجة الكريمة سُرِّيِّة الرجل (مملوكته)، ولا حظِيَّته، ولا وسيلةَ لَهْوِه، ومتاعَ دنياه، بل هي شريكة حياتِه وسكَنُ نفسِه، والحائزة على مودَّته ورحمته.
ليسَ معنى القِوامة أن تُجرَّد المرأة من حقوقها الطبيعية التي أقرَّتها الشريعة قبل أن تبْلُغ مَسمَع الإنسانية بقرون وعُصور.
لا يحِلُّ للقوّام على الزّوجة أن يسْلُبَ زوجته حقوقها المدنية وأن يفرض عليها قانوناً مُبتدَعاً يتغيَّر كلّما تبدَّلَت خواطره وأفكاره.
إن الرجل والمرأة شريكان في كُلِّيات الحقوق الإنسانية من دون اختلاف أو تمايز، وهما مُتساويان في عِمارة الحياة، وفي بناء دار المعاش، والاستعداد لدار الـمَعاد.
إن الذِّمَّة واحدة كما ورد في الحديث الشريف: «ذِمَّة الله واحدة يُجير عليهم أدْناهم» رواه أحمد، فلِكُلٍّ من الرجُل والمرأة ذِمّة مُحتَرمة، ولكُلٍّ حقُّ الإجارة والكفالة والوِلاية للآخرين.
والأُنثى كالذَّكر في كوْنها فُطِرَت على حُبِّ التملُّك، وقد شَرَع الله لها المهْر تحقيقاً لرغبتها الفِطرية، فقال الله عزّ وجل: {وآتوا النساء صَدُقاتِهنَّ نِحلة} النساء-4، ونهى الأولياء والأقرباء عن اقتناص أيِّ قدْرٍ من صَداقِها لنفسه اللهم إلاّ إن كان عن طِيب نفسٍ منها كما قال الله عز وجل: {فإن طِبنَ لكم عن شيءٍ منهُ نَفْساً فكُلوه هنيئاً مريئاً} النساء-4.
ولقد سوَّلت لبعض الرجال أنفسهم بأن يستَحوِذُوا على ما يُصيب نساءهم من أجرٍ أو رِزقٍ أو غير ذلك، ظنّاً منهم أن ما يمنحها الله من المال هم أحقُّ به وأولى بإنفاقه بفضلِ عَقْلِهم الرَّشيد وسُلطانهم الفريد!
وقد تعمل المرأةُ وتَشقى ولا ينالُها من ثمرات عملها إلّا ما يجود عليها زوجُها المنحوس من مالها المحبوس! وقد فات هذا المعتدي ما جاء في السُّنّة النبويّة من حُرمة أخْذِ مالٍ بغير حقٍّ إلّا برضا صاحبه، فالنبي الكريم صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يحِلُّ مالُ امرِىءٍ إلا بطِيب نفسه» رواه الدَّيلمي. ويحلو لرجالٍ آخرين من الأزواج الظالمين أن يمنَعوا أزواجهم من البيع والشراء، والإهداء والكِراء، والإنفاق على الفُقراء والأقرباء، ويمنعونهنّ من الاستمتاع من مالهنّ بالطيِّبات من الرَّزق والمتاع، فلا يشرع لهنّ أن يُنفِقْن دِرهماً إلاّ بأمرٍ منهم ولا ديناراً إلاّ برضاهم! وهذا عمل طائش وظُلمٌ فاحش.
لقد فاتَ هؤلاء أن المرأة كانت تَشتَري وتَبيع في كل عهود الإسلام بلا حرج وبدون جُناح، وكانت تُمارِس ما تحتاجُ إليه من مَهارات العمل وكانت تسْتَصْلِح الأرضَ بالزَّرع والغَرْس، وتشترك في كثير من الصِّناعات اليدَويّة الـمُتاحة لها؛ ورد في السُّنة أن زينب امرأة عبد الله بن مسعود قالت: يا رسول الله إنّي امرأةٌ ذاتُ صَنْعةٍ أبيعُ منها وليس لي ولا لزوجي ولا لولدي شيء، وسألته عن النفقة عليهم فقال: لكِ في ذلك أجرُ ما أنفقت! رواه ابن ماجه.
وكان عبد الله بن مسعود يبعث بعِطرٍ من اليمن إلى أمِّه الرُّبَيع بنتِ مُعّوَّذ وذلك في خِلافة عمر، وكانت تبيعه إلى أجلٍ إلى المشترين، فتقبض الأثمان.
فللمرأة استقلالها في حقوقها المدنية، وحرِّيتها في التصرف بأموالها الشخصية من دون وصاية من أحد، ما دامت عاقلةً وراشدةً ومتحرِّرة من أسباب الحَجْر والوصاية.
وبِذا تتمكن ربّات الحِجال من حُسن تربية أجيالٍ يفتخرُ بهم أهل الإيمان، وتقَرُّ بهم أعيُن الزّمان!>