داؤنا و دواؤنا

كرامةُ ابن آدم
19/04/2018 - الشيخ نزيه مطرجي

إن الله تعالى كرّم الإنسان، خَلقه بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وسخّر له ما في السموات وما في الأرض جميعاً منه، وجعله خليفة في الأرض.
يقول الله تعالى: {ولقد كرّمنا بني آدم وحملناهم في البرّ والبحر ورَزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممّن خلقنا تفضيلا} الإسراء – 70.
لقد كرّم الله بني آدم بجمال المظهر وبالتقويم الأحسن والمزاج الأعدل والتمييز بالنُّطق والعقل، والاهتداء إلى سُبُل المعاش والمَعاد، والسيادة على الأرض والكائنات، وغير ذلك مما يقف الحصر دون إحصائه.
فواجب الإنسان تجاه هذا التكريم الإلهي أن يحس بالنعمة ويقدّر الهبة، ويصون الكرامة، بل إن فطرته الخلقية تهتف به أن يكون كريماً على نفسه وعلى الأنام، وأن يترفع عن الخسة والهوان، وما ثم شيء يفادي الكرامة الإنسانية ويشينها مثل المذلة والمهانة ويشينها.
والشاعر يقول:
من يهن يسهل الهوان عليه ما لجرح بميتٍ إيلام
فالعزيز الكريم هو الذي حباه الله بالكرامة، وكساه حللها وحلاّه بزينتها، فلا يليق به أن يتصرّف بما يُذلّه ويحُطُّ من كرامته من أقوال وأعمال ومشاعر.
إن ابن آدم لم يُخلق ليكون عبداً ذليلاً لغيره، يسوقه ولاة الأمور بالإكراه والجبروت، ولا ليكون آلة صمّاء تحركها أصابع الزعماء كيفما تشاء! بل خلق ليكون حراً مكرماً، لا يلبس لبوس العبودية، ولا يرتكس في مهاويها.
ولا يخفى على أي قارئ قول عمر المشهور الذي خاطب فيه عمرو بن العاص وولده قائلاً: «متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً؟».
لا جرَم أن المؤمن يعتزّ بربّه ودينه، ويعتزّ كذلك بنفسه وكرامته. والله تعالى يقول: «من كان يريد العزة فلله العزّة جميعاً» فاطر-10.
إن أنفة المؤمن تعصمه من أن يتصنّع أو يتصاغر لأحد، وإنه مهما آلمته جوعتَه، وقهرته حاجته وطوّقته ضائقته، فلا يحلّ له أن يرتضي الإذلال، بل يجدر به أن يظلّ مرفوع الجبين، لا يستكين للظالمين، ولا يبسط يديه إلا لله رب العالمين!.
جاء في الحديث الشريف: «من تضعضع لغنيّ لينال مما في يديه أسخطه الله» رواه الطبراني.
وورد في الأثر «من أعطى الذلة من نفسه طائعاً غير مكره فليس منا»! فخيرٌ له وأرضى لكرامته أن ينام على مهاد الغبراء، وأن ينحني لمن يُطاول بعنقه الجوزاء.
إن كان الذي أنشب الفقر مخالبه في صدره، وغرز الجوع أنيابه في عنقه لا يملك أهل العلم أن يغنوه بجواز التذلل بالسؤال، وهوان النفس في طلب الدرهم والدينار، فما عذر التذلل بالسؤال، وفي استعباد قولهم واستذلال أتباعهم ومرؤوسيهم؟
هل يليق أن يكون أعرابي الأمس، عابد الوثن أحرص على عزّة النفس وكرامته من المؤمن الموحد في هذا الزمن؟ وهل يصح أن يكون المولى في الجاهلية الأولى أصدق عهداً لمن يصاحب، وأكثر رحمة بمن يجير وليّ الأمر في هذا العصر مع عامله الأجير؟!
فيا من أكرمهم الله بالنقم، وحذرهم من النعم، وابتلاهم بالولاية على الذمم؟ بالله عليكم! احفظوا الحقوق والأمنيات، وصونوا العهد والكرامات، ولا تحوّلوا رياضكم الى معاقل تخطف فيها الحريات، ولا تجعلوا واحاتكم كهوفاً تخنق فيها الكرامات، فإن من ولي من أمر أمة محمد شيئاً فرفق بهم رفق الله به، ومن ولي من أمر أمة محمد شيئاً فشق عليهم شق الله عليه.
قد يصبر المرء على صروف الدهر وما يمسه من الضر، وقد يحتمل الأنواء وألوان البلاء، ولكن لا صبر له على المساس بالمروءة وجرح الاحساس بالكرامة.
كل أمة أقحطت من القائمين في البرية والرحمة بالرعيّة تنهار دعائم مجدها، وتتقوّض أركان عزها، فإن الله تعالى يقيم الدولة العادلة وان كانت كافرة، ولا يقيم الدولة الظالمة وان كانت مسلمة، كما يقول ابن تيمية، فاحترسوا من امتهان الكرامات المصونة، فإن للكرامة عند الله تعالى حرمتها!}