داؤنا و دواؤنا

حلاوةُ الصَّبْرِ ومَرارَتُه
12/10/2017 - الشيخ نزيه مطرجي

إن دين الله مبنيٌّ على أصْلَين: الحقُّ والصَّبر، والله تعالى يقول: {وتواصَوا بالحقِّ وتواصَوا بالصَّبْر} العصر-3؛ ولو تفكَّر الخَلْقُ في صَبْر الله على العِباد، لازدادوا حُبّاً في الإحسان وصبراً على الأنام.
إن صبرَ الله تعالى على عباده هو أعظمُ الصَّبر، وإن التفاوُت بين صبر الله وبين صبر جميع خلقِه كالتفاوت بين مُلكِه ومُلكِهم، وعِلمِه وعِلمِهم، وسائرِ صفاتِه وصفاتِهم، والرسول الكريم صلى الله عليه وسلم يقول في ذلك: «ما أحدٌ أصبرَ على أذىً يسمَعُه من الله عز وجلَّ، يَدَّعون لله الولد وهو يُعافيهم ويرزُقُهم» متفق عليه. والله تعالى هو الصَّبور الذي لا يُعاجلُ العُصاة بالعِقاب والانتقام، وقد جاء في الحديث القُدسيّ: «إني أنا الصَّبور».
إن مقابلة خالِق الخلائق ومالِك الممالك بأعمال الفُجور والقَبائح، وبالقدْح في أسمائه وصِفاته، وإنكارِ وَحْدانِيَّته، وجُحود آياتِه، وتكذيبِ رُسُلِه وأنبيائه، أمرٌ لا يصبر عليه إلاّ الصَّبور الغَفور؛ وإذا أردت أن تزداد عِلماً بصبر الله تعالى فاتْلُ قول الله عز وجل: {إن الله يُمسك السماءَ والأرض أن تَزولا} فاطر-14، وقوله: {تكاد السموات يتفطَّرْن منه وتنشَقُّ الأرضُ وتخِرُّ الجبال هَدّاً} مريم-90؛ فالسموات والأرض تمورُ وتستأذِن خالِقَها بالزَّوال لعظيم ما يأتيه الإنسان فيُمسكها الله بِحِلمه وعَفْوِه، وإن الشرك بالله تضطربُ منه جميعُ الخلائق إلّا الثَّقَلين لأنها مخلوقةٌ مؤسَّسةٌ على «لا إله إلّا الله»، وتكاد تنخلع من سِرِّ بقائها، فيحبِسها الله بصبْره وعفوه. ولَو لم يكن للصبر من فضيلة إلا دخوله في صفات الرَّبِّ جلّ وعلا لكفى، فكيف وصَبرُه تعالى يتعلَّق بكُفْر العِباد وشِركهم، ومسبَّتِهم له سبحانه، وبأنواع الآثام وصنوف العِصيان، وربُّنا تعالى يحلُم عنهم ويصبر على فُجورهم، ولا يُعاجِلُهم بالعُقوبة والنِّقمة، بل يُمهِلُهم ويَرفُق بهم، ويفتح لهم أبواب التَّوبة والإنابة، ويُسهِّل لهم مَعارِج السماء للتضرُّع والدُّعاء، فلا مَناصَ للمؤمِن من أنْ يتَّخِذ العُدة الكاملة من التصبُّر، وأن يأخذ الأُهبة من التحلُّم في مُعاشرته للأقرباء، ومصاحبته للأخِلّاء، ومُخالطته للأصدقاء والأعداء.
إن المؤمن السائر في هذه الحياة من دون صبرٍ كالسَّاعي إلى الهيجاءِ بغير سلاح، فالصَّبر له مَطِيَّةٌ لا تَكْبُو، وحُسامٌ لا ينبُو.
إن المؤمن الكيِّس يصبر على خُلُق زوجته، ولا يفْقِدُ صَبرهُ إذا ساءه منها خصلةٌ أو خليقةٌ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يَفرَك مؤمنٌ مؤمنة، إن كره منها خُلُقاً رَضِي منها آخر» رواه مسلم؛ ويصبِر على قسوة الـمُعاناة، وشِدَّة الـمُقاساة في تربية الأبناء، فإنه إنْ نزَع رداء الصبر أُسقِط في يده، وكتب هزيمته بِيَراعِه، وفي الحديث: «إلزَموا أولادكم وأَحسِنوا أدَبَهم» رواه ابن ماجه، فعليه أن يصبر على كيْد الحسود، فإن صَبْره قاتِلُه، وأن يصبر على عداوة الخَصم الحَقود، فإن حِلمه آسره، وعليه أن يصبر على قطيعة القرابة ومَساءتهم وجهالتهم، فإنه إن فعل «فكأنما يُسِفُّهُم الملّ، ولا يزال معه من الله ظهير عليهم» من حديث رواه مسلم، فإنه إن كان فاقداً صبره في دائرةِ رَحِمه، كان قاطعاً للرَّحِم، «ولا يدخل الجنة قاطع رحم» متفق عليه.
وعليه كذلك أن يصبر على أذى الإخوان والخِّلان، والأتباع والأعْوان، وعلى هَناتِ الموظفين والعُمّال، والـمُصاحبين في السفر، والمرافقين في الحضر، وعلى  الشُّركاء في الأموال والأعمال، وعلى المـَدينين والـمُعْسِرين، وعلى السائلين والمـُلحِفين.
إنك قد تقول: إن الصبر ليس أمراً هيِّناً، بل تعجز عنه عظائم الرِّجال، وتخور دون بُلوغه عزائمُ الأبطال؛ ستقول إن الصبر أمرُّ من العَلْقَم، وأمرُّ من الحَنْظَل... نقول: أُنظُر إلى حُسْنِ عاقبته وحلاوةِ ثمرته، وإلى لذة شَهدِه بعد إبر نَحْلِه، فـ«إن الصبر خيرٌ كلُّه، وما أوتي أحدٌ عطاءً خيراً له وأوْسَعَ من الصبر» رواه البخاري؛ والشاعر يقول:
الصبرُ مِثل اسمِه مُرٌّ مَذاقتُهلكنْ عواقِبُه أحلى من العسلِ