داؤنا و دواؤنا

النوايا الخفيّة‎
22/03/2018 - الشيخ نزيه مطرجي

لا يعلم خائنة الأعين وما تخفي القلوب إلا علاّم الغيوب.
إن الصدور تُكن في بواطنها أسراراً وخفايا، وأستاراً وضباباً، لو يرفع الغطاء عنها في الحياة الدنيا لساءت علاقات وقامت صداقات، ولنشأت خصومات وظهرت مودّات، ولو كشفت النوايا المخبوءة لسلم أبرياء ونبذ أدعياء، ولعز أقوام وذل آخرون.
إن الأقوال والأعمال الصالحات مناط بالمقاصد والنيات، والله عزّ وجل ينظر إلى القلوب والأعمال، لا إلى الصور والأشكال، وفي صدق النيّة جاء في الأحاديث النبوية: «من أحب لله وأبغض لله، وأعطى لله ومنع لله، فقد استكمل الايمان» أخرجه الترمذي.
إنّ النية الصادقة هي أصل الأعمال الصالحة، والعمل الصالح لا يعتد به إلا إذا صدر عن نفس رضيّة، وأنيط بغاية عليّة، هي مرضاة رب البرية. وقد ورد في الأثر: «نيّة المرء خيرٌ من عمله، والنيّة سبقت العمل».
سأل عبدالله بن الإمام أحمد أباه يوماً: أوصني يا أبت! فقال: يا بنيّ إنوِ الخير فإنك لا تزال بخير ما نويت الخير! والعامل بهذه الوصية اللطيفة ثوابه جارٍ على الدوام لدوامها واستمرارها.
وان من عظيم منزلة النيّة أن المؤمن قد يصله أجر ما لا يعمله إذا نواه وحدث مانع يمنعه.
وقد جاء في الحديث الصحيح: «ان بالمدينة لرجالاً ما سرتم مسيراً ولا قطعتم وادياً الا شاركوكم في الأجر، حبسهم العذر (والمرض) أخرجه الترميذي، وكان ذلك في غزوة «تبوك».
وجاء في حديث آخر: ما من امرئ تكون له صلاة بليل يغلبه عليها نوم الا كتب له أجر صلاته، وكان نومه عليه صدقة» أخرجه أبو داوود. ومن سأل الله الشهادة صادقاً بلّغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه.
يُحيط بنا في حياتنا أناس كثيرون نُصادق بعضاً ونصطفي بعضاً، ولكننا نجهل ما تكتم صدورهم، ولا نلك أن نشق على قلوبهم، فنحن نعلم جهرهم، ونجهل سرهم، ونسمع قولهم ولا نفهم لحنهم، فتلتبس علينا حقائقهم فلا نعرف الحب من الحِب، ولا الوفيّ من الدعيّ، ولا المخلص من المغرض، ولا المفسد من المصلح، فإن كنت من الأعيان الذين لهم بطانتان: بطانة تأمر بخير وتحضّ عليه، وبطانة تأمر بسوء وتحض عليه، فأنت في ابتلاء خطير، وامتحان عسير، فاستعذ بالله تعالى من شرارهم، وكن من خيارهم على حذر، واستعصم بالله تعالى من أجل السلامة من شر الأشرار على حذر، واستعصم بالله تعالى من أجل السلامة من شر الأشرار وكيد الفجار، والله تعالى يقول: {وإن تصبروا وتتقوا لا يضرّكم كيدهم شيئاً} آل عمران 120.
فقد يكون من حولك رجال يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم، يديرون ودّك ويدّعون برّك، وقلوبهم منكرة جاحدة، ألسنتهم معك وقلوبهم عليك، ظاهرهم ينفعك وباطنك يلذعك، ومنهم أناس ألسنتهم أحلى من العسل، وقلوبهم أمرّ من الصبر، يلبسون لك مسوك الذأن من اللين، وقلوبهم قلوب الذئاب، ويوشك أن يدبروا لك المكائد، وأن ينصبوا لك الأشراك، والله تعالى يقول في أمثالهم: {ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويُشهد الله على ما في قلبه وهو ألدّ الخصام، واذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد} البقرة 204.