داؤنا و دواؤنا

الرَّاشونَ والمُرتَشون
07/12/2017 - الشيخ نزيه مطرجي

لا يُؤْذَن للمؤمنين في أن يأكلَ بعضُهم أموالَ بعضٍ بغير حَقّ، ولا يُشرَّعُ لهم أن يأخذوا المالَ إلّا من حِلِّه، ولا يضعوه إلا في حِلِّه، وقد جاء في أول خطبة يوم النَّحر قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنَّ دماءَكُم وأموالَكم عليكُم حرامٌ كحُرمةِ يومِكم هذا في شهرِكُم هذا في بلدِكم هذا» أخرجه مسلم.
ولقد حرَّمَ الإسلامُ على المسلمين أن يُصانِعوا الحُكام والوُلاة وسائرَ العمالِ بالأموال لِيُرشوهُم، ولِيقْتَطعوا لهم حقَّ غيرهم، فيأكُلوا أموالَ الناسِ بالإثم وهُم يعلَمون. يقول الله تعالى: {ولا تأكُلُوا أموالَكُم بينَكُم بالباطِل وتُدلوا بها إلى الحُكّام لتأكُلوا فريقاً من أموالِ الناسِ بالإثمِ وأنتُم تعلَمون} البقرة-188.
وقد ذكرتِ الآيةُ الرِّشوة إلى الحُكّامِ من دون غيرِهم من الأنام، لكثرةِ حُدوث هذا النَّوعِ من الرِّشوة ولِفَرْط خَطَرها، وعِظَم ضررها وعُمُوم فسَادها.
إن الحُكّام والوُلاة هم مظَنَّة الرِّشا إلّا مَن عصَم الله، وهُم الأقلّ! ويحق لنا أن نقول: إن الحُكّام في هذه الأيام هُم عينٌ لا مَظَنَّتُهُ إلا مَن رَحم ربُّك، والناجون منهم هُم دُرّةُ جَبين الزمان، ومَعقد فخرِ أهْلِ الإيمان.
ما أبلَغ المناسبة في الآية بين الإدْلاء، وهو إرسالُ الدَّلْو، والرِّشاء وهي الحِبالُ التي يمدُّ بها الرَّاشي وسيلتَه ليبلُغ غايَتَه، ويقضِيَ حاجته. إن الإسلام حرَّم الرِّشوة، ولعن باذِليها وآكِليها ومُرَوِّجيها، وقد ورد في الحديث عن عبد الله بن عمرو: «لعَنَ رسول الله صلى الله عليه وسلم الرّاشي والمُرتشي والرائش»، وهو الوسيط الذي يقضي بينهما؛ إذا فشَت الرِّشوة فَسَدت الأمانة، وقد ورَد في الأثر: «إذا دخلَتِ الرِّشوةُ من الباب خَرَجتِ الأمانةُ من الكُوّة»! 
وحين تظهر الرِّشوة وتُشْرَع لها الأبواب، ولا يكبَح جَماحها أحدٌ من أهل الحُكم، ورِجال الوَعظ والإصلاح يفسُد جهاز الدولة كلُّه، ويغدو أُلْعُوبةً بأيدي المُجرمين أصحابِ المصالِح والأهواء الذين يتَّخِذون الرِّشا مِرقاةً لبُلوغِ الثَّراء، فإن مُنِعَت الرِّشوة أُسقِط في أيديهم وغدَوا كساعٍ بغير سلاح إلى الهَيْجاء؛ وإن شيوع الرِّشوة مدعاةٌ إلى شيوع المفاسد وإباحة المَظالم وانحراف الأحكام. 
حاوَلَ يوماً يهودُ خيبر إغراءَ أحدِ الصحابةِ بِمال الرِّشوة ليُزَوِّر في حُكمه، فلما بعثَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بنَ رَواحة يَخْرِص (يُثمِّن) على أهل خَيبر ثِمارَهم وزُرُوعهم، أرادوا أن يُرشُوهُ ليَرفِق بهم، فقال: يا أعداءَ الله! اتُطعِموني السُّحت؟ واللهِ لقد جئتُكم من عندِ أحبِّ الخلْقِ إليّ، ولأَنتُم أبغضُ إليّ من القِرَدة والخنازير! وما يحمِلُني حبي إياه وبُغضي إيّاكم أن لا أعدِل فيكم، فقالوا: بهذا قامت السَّموات والأرض!
ومن أمثلة إنكار الرِّشوة والتعفُّف عن أكلها أن الإمامَ أبا عمر الأوزاعي أتاه نصرانيُّ فقال: إن والي بعلَبَك ظلَمني بمظلَمَةٍ وأريدُ أن تكتُبَ إليه، وأتاه بقُلّة عسَل، فقال الأوزاعي: إن شئتَ رددتُ القُلّة وكتبتُ لك إليه، وإن شئتَ أخذْتُ القُلّة، فقال بل اكتب لي وارْدُدها، فكتبَ له إلى الوالي أن ضَعْ عن هذا النصراني من خِراجِه، فأخَذ الرّجُل القُلَّة والكتاب ومضى إلى الوالي فأعطاه الكتاب فوضعَ عنه ثلاثين دِرهماً بشفاعة الإمام!
لقد شاعت الرِّشوة المُحرَّمة في الأقاليم والبُلدان، وأصابَت بنِصالِها المسمومَة عامّة  الأنام، وتلوّثت بها الضمائر وعمِيَت عنها البصائر، وأضحت مصْدراً للغنائم يشرِّعُه حُماةُ الدِّيار الذين صاروا رِدْءاً للطّامِعين جَزاءَ ما يَغْنَمون وكفاءَ ما يسترْشُون.
ما ظنُّ مُستَحِلِّ الرِّشوة بقومٍ يحملون الأمانة على متونِهم ويأكلون النار في بطونِهم؟! وما ظنُّكم بِذي نِعَمٍ ظاهره حسنُ السَّمْت، وباطِنُه خبيث النَّبْت، وفِعلُه الظُّلم البَحْت؟؟
تَعْساً لمن ضعُف بصرُهَ عن تَبَيُّنِ الحرامِ كالأعْشَى الذي قد ملأ الحَشا بالرِّشا، ويوم القيامةِ يغشاهُ من عذابِ النار ما يَغْشى!>