داؤنا و دواؤنا

استدراج أهل الدنيا
05/04/2018 - الشيخ نزيه مطرجي

إن الله تعالى يُؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويُغني من يشاء، ويُفقر من يشاء، وإذا أعطى الله عبداً وأغناه فليس ذلك تشريفاً له أو تكريماً من مولاه، وليس دليلاً على حُبّ الله ورضاه، وإذا قنع الله عبداً وجعله بما أنزل إليه من خيرٍ قليل المال فقير الحال، فليس في ذلك بُرهانٌ على سخط الدّيّان، ونقمته من ذلك الإنسان.
إذا أعطى الله المطيعَ الشاكر، ففي ذلك العطاء تمحيص وابتلاء، واذا أعطى العاصي الجاحد، ففي توارُد النعم عليه استدراج وإملاء! وبَسطُ الأرزاق أخطر على المرء من البؤس والإملاق.
والإملاءُ أشق على النفس من الابتلاء، يقول الله عز وجل: {فلما نسوا ما ذكّروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيئ} أي من النعم والخيرات. {حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتةً فإذا هم مُبلسون} الأنعام 44 –
 لما حيزت لهم الدُنيا بطروا وصالوا تيهاً وأشراً! وظنّوا أن ذلك النعيم قد أوتوه بفضلهم، ورأوا أنه يدوم ويزيد، وأنه لا ينقص ولا يبيد! وغفلت قلوبهم عن إدراك سُنّة الله تعالى في استدراج الفئة المنعّمة التي بَطرت معيشتها... وما أحلّ الله بها، وفي ذلك يقول النبيُ صلى الله عليه وسلم: «إذا رأيتم الرجل يعطيه الله تعالى ما يُحبّه وهو مقيمٌ على معصيته، فاعلموا أن ذلك استدراج» ثم قرأ قول الله تعالى: {فلما نَسوا ما ذكّروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء} أخرجه أحمد.
وقد ورد في الخبر أن الله تعالى أوحى الى نبيّه موسى عليه السلام: «إذا رأيت الفقير مقبلاً اليك فقل مرحباً بشعار الصالحين، واذا رأيت الغني مقبلاً اليك فقل: «ذنب عجلت عقوبته!».
لقد سُلك بأكثر الأنبياء سُبل الفقر والبلاء، ولم يُسلك بهم سُبل الثراء والرخاء، فإذا سُلك بك سبيل البلاء فكن قرير العين، مطمئن القلب، فإن ذلك سبيل الصالحين، واذا سُلك بك سبيل الغنى والرخاء، فقد يكون ذلك خِلاف سبيلهم فابكِ على خطيئتك!.
وقد قيل: ان الله يحتجّ يوم القيامة بأربعة أنبياء على أربعة أجناس من الناس: يحتجّ على الأغنياء بسليمان عليه السلام، ويحتج على العبيد بيوسف عليه السلام، ويحتج على الفقراء بعيسى عليه السلام، ويحتج على المرضى بأيوب عليه السلام.
فكأنَ هؤلاء أُسوة لمن خَلفَهم من البشر على ما أصابهم، فلا يحلّ لعبدٍ شغله غِناه أو فقره أو مرضه أو رقه من عبادة ربه عز وجل والتزام أوامره، واجتناب نواهيه.
إن من سُنن ربِ العالمين المعلومة من الدّين بالضرورة واليقين والتي لا تتحول ولا تتبدّل استدراج المؤمنين وغيرهم بإدرار النعم عليهم وإنسائِهم شكرها فينهمكون في الدنيا ويتنافسون على حيازتها، وينغمسون في الغواية، ويتنكّبون طريق الهداية.
والذين يستدرجون يظنون أن ما يفيض عليهم من النعم ما هو إلا منحة ربانية يستحقونها قد أثابهم الله بها لصلاحهم ومنزلتهم عند ربهم، وما ذلك الظن إلا من قلّة الفطنة وكثرة الغفلة.
يا أيها النّهم الذي لا يشبع! أنصت الى أمر ربّك في الحديث القدسي حيث يقول: «يا بن آدم تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غنىً وأسدُّ فقرك، وان لم تفعل ملأت صدرك غنىً شُغلاً ولم أسدَ فقرك!» أخرجه الترمذي.
فواِزن أيها المؤمن بين من جعل الدنيا همّه ففرّق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يؤته من الدنيا إلا ما كتب له، وبين من جعل الآخرة همّه فجمع الله عليه أمره، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة!
 فاجتهد ان تعرف أين تكون.