داؤنا و دواؤنا

أنتَ وخُصَماؤك
01/03/2018 - الشيخ نزيه مطرجي

قد تَخفى عليكَ مساوِئُك في معاملة الناس في التجارة والإجارة، وفي المُصاحبة والمُجاورة، والمُخاصمة والمُناصَحة، فيكثر خُصماؤك، وأنتَ ذاهل، وقد تهون عليك عَثَراتُك في أفعالك فيقلَّ أحباؤك وأنت غافل، وما كل إساءة في الحياة تُدرِكها فطانةُ فاعلها، وما كلُّ مَظلمةٍ في العباد يُحسُّ بها جانيها.
فكم من قلوبٍ فُجِعَت وما يدري فاجِعُها! وكم من أكبادٍ حُرِمَت وما يشعر جارِحُها، وكم من أجْفانٍ قُرحَت وما يدري قارحُها! وإن نكايات الناس لا تُحـصى، وشكايات الوَرى بعدد الحَصى.
والناس الفُطُن هم الذين يعمَلون لما بعد الموت، وأكْيَس الناس هم أشدُّهم للموت ذِكراً، وأكثرهم للآخرة استعداداً وعَمَلاً؛ أولئك الأكياس ذهبوا بشرف الدنيا وكرامة الآخرة.
إنه لا ينجو في الآخرة من شدةِ الحساب وهَول العِقاب، إلاّ من حاسَبَ نفسَه في الدنيا قبل أن يُحاسَب ووزَنَ أعماله قبلَ أن يُوزَن.
والمحاسبةُ توجِب على المرء أن يتهم نفسه ويُسائلها عن كل أعماله وأقواله، وخَطَراته ولَحظاته، وأن يتوبَ من كل المعاصي والذنوب، ويتدارك ما فرَط منه من التقصير وسوء الخِصال والعُيوب، وأن يرفَعَ المظالم عن العباد، ويَستحِلَّ كلَّ مَن تَعرّضَ له أو أساء إليه أو جار عليه.
إن سَمْعَ المؤمن ليُقرع بنداء العزيز الجبار: {اليومَ تُجزى كلُّ نفسٍ بما كسبَت لا ظُلمَ اليومَ إن الله سريع الحساب}. غافر-39، وإن قلبَه ليَنخَلِعُ من الهيبة والوَقار حين يتذكَّر الإنذار: {ولا تحسبَنَّ الله غافلاً عما يعمَل الظالمون إنما يُؤَخِّرُهم ليومٍ تَشخَصُ فيهِ الأبصار} إبراهيم-42.
يَمضي الإنسان في هذه الدنيا في أعماله وأقواله وخِصاله، لا يُبالي بما قدَّمَت يداه، ولا بما اقترَف لِسانه وعَيناه وأُذُناه! فالغيبةُ عنده مِثل تخيُّر الفاكهة، والنميمة بين الأنام مِثل التَّوابل للطعام، وإيقاع المَظالم مِثلُ جَنْي الأرباح والمَغانم، واستحلالُ أعراض الناس كاستعمال الزينة واللباس.
كيف يرجو الفَوزَ والنَّجاة مَن سلك هذه المفاوِز والعَقبات وهو يعلم أنه سائرٌ إلى يومٍ يقتصُّ فيه الله تعالى للشاة الجَمّاء من القَرناء؟!
إن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى شاتين يَنتَطِحان فقال: «يا أبا ذر! أتدري فيم ينتَطِحان»؟ قال: لا، قال: «ولكن الله يدري وسيقضي بينهما يوم القيامة!» رواه أحمد.
يبلُغُ عَدلُ الله تعالى يوم القيامة أنه يحشُر الخَلقَ كُلُّهم في ذاك اليوم: البهائم والدوابّ والطَّير، فيأخُذ للجمّاء من القَرناء ثم يقول: كوني تُراباً، فذلك حين يقول الكافر: {يا ليتني كنتُ تُراباً} النبأ-30.
لذلك يجدر بك أن تكون على حذرٍ من لقاء خُصمائك يوم القيامة، يوم تقفُ مَبْهُوتاً من جَمْعِهم وكَثْرَتهم، وقد أنشَبُوا فيك مَخالِبَهم، وأحْكَموا في تلابيبك أيديهم ورفعوا إلى الله أعناقَهم قائلين: يا ربنا خُذ لنا مَظالمنا من فلان! وهناك يكون الخِذلان المُهين، والخُسران المبين حين يُؤخَذ من حسناتِ الظالم الذي تعبَ عُمرُه في تَحصيلها، وتُنقل إلى صحائف خَصمه عِوَضاً عن حُقوقه المُضَيَّعة؛ إنه لا ينقضي على المرء يومٌ إلاّ ويَجري على لسانه من غيبة المسلمين واستحلال أعراضهم ما يستوفي الكثير من الحسنات، فكيف بِبَقيَّة الجوارح، وكيف بسوء المُعاملات وأكْلِ الحرام والشُّبُهات والتَّهاون في الطاعات!؟
فاتَّقوا الظُّلمَ ما استطعتم، فإنه يوقِعكم يومَ القيامةِ في الظُّلمات، واجتنبوا أن تكونوا من الذين يأتون ربَّهم بأمثالِ الجِبال من الحَسَنات وهم يَحسَبون أنها ستُنْجيهم من العذاب، فما يزال يُمحَى منها حتى يجعَلَها الله هباءً منثوراً!
أيها الباغي الظالم! والمُسيء والآثم! كم أطَلْتَ الغَفلة! وأهْمَلتَ الفِطنة، وأدَمتَ الاصطِلاء بنار الفتنة! إحترِسْ من ظُلم الناسِ فإنه سيؤدِّي بك إلى الإفلاس، وتجنَّب الارتكاس في مصائد الوَسواس الخنّاس التي تُغريك ثم تُرْديك، والله تعالى وحده يحفَظُك ويَهديك!