داؤنا و دواؤنا

 
أدَبُ المُؤمِن
22/06/2017 - الشيخ نزيه مطرجي

إن من أسباب علوّ الرُّتَب أن يتحلّى المرء بكمال الأدب، فلا يصدر منه ما يُوجِب الذَّم واللوم، ولا يقع ما يُخلّ بالكرامة أو يجلب المهانة. إن حاجةَ المؤمنِ إلى التهذيبِ والأدبِ أعْظَمُ من حاجته إلى المطْعَم والمشرَب! وإن للأدبِ شرفاً يفوقُ شرَف الأصل والنَّسب، بل إن الأدبَ يستُر قبيح النَّسب! وقانونُ الأدبِ يفرِضُ على المرء أن يأخُذَ نفسَه بقواعدِ التخلّي والتحلّي، فيتخلّى عن النقائص والقبائح، ويتحلّى بالـمَحامد والفضائل، ويرفُل في أثواب الكمال في جميع الظروف والأحوال.

التَّنافُسُ على طَلبِ الدُّنيا
15/06/2017 - الشيخ نزيه مطرجي

إن الله تعالى يُعطي الملك مَن يشاء ويَنزِع الملك ممن يشاء، ويُغني مَن يشاء ويُفقِر من يشاء، وإذا أعطى عبداً وأغناه فليس ذلك تشريفاً له، وتكريماً من مولاه، وليس دليلاً على حب الله ورضاه؛ وإذا مَنَع اللهُ عبداً وجعله قليل المال فقير الحال، فليس في ذلك بُرهانٌ على سخط الله الدَّيّان ونِقمَته من ذلك الإنسان. إذا أعطى الله المطيع الشاكر، ففي ذلك العطاء تمحيصٌ وابتلاء، وإذا أعطى العاصي الجاحد ففي توارد النِّعم عليه استدراجٌ وإملاء!

صَوْمُ الخُصُوص
08/06/2017 - الشيخ نزيه مطرجي

إن جوارح الورى تنطِقُ يوم القيامة شاهدةً بما تسمع وترى، وإن مشهد محاورة الجوارح في يوم الجزاء أضحك سيّد الأنبياء عليه الصلاة والسلام فأخبر الناس بما أراه الله حين يجادل العبدُ ربَّه يوم القيامة ويقول: «أَيْ ربي! أليْسَ وعَدْتَني أن لا تظلمني؟ قال: بلى، فيقول: فإني لا أقبل عليّ شاهداً إلا من نفسي، فيقول الله تعالى: أوَلَيس كفى بي شهيداً والملائكة الكِرام الكاتِبين؟ فيردد العبد كلامه» فيختم الله على فِيه ويبعثُ عليه شُهوداً من نفسه، جِلدَه وبَصره ويديه ورِجليه.. فتتكلم أركانُه بما كان يعمَل، فيقول لها صاحبها: «بُعداً لكُنَّ وسُحقاً، عنكنّ كنتُ أجادل!» رواه البزار. وتستمر المخاصمة، ويقول الخَلْقُ لجلودهم: {لم شهدتم علينا؟} يقولون: {أنطقَنا الله الذي أنطق كل شيء} فُصِّلَت-22. وحين يَنْحون

رِجالُ الحِسْبَة
01/06/2017 - الشيخ نزيه مطرجي

حياة الأنامِ لا تصلُحُ ولا تستقيم من دون نُصحٍ وتقويم. إن النصائح والمواعظ كالسِّياط تقع من القلوب في النِّياط، فتَحيا الحانيةُ منها والقاسية بالذِّكر كما تحيا الأرض الميْتة بالقَطر. لقد كانت مجالس البَشِير النَّذير [ مجالسَ ترغيبٍ وترهيب، وإنذار وتبشير، وتعليمٍ وتذكير. كان النبي [ إذا خطب وذَكَر الساعةَ اشْتدَّ غضَبُه وعَلا صوتُه حتى كأنه مُنذِرُ جيشٍ يقول: صبَّحكُم ومسّاكم!

مَقادِيرُ الخَلْق
25/05/2017 - الشيخ نزيه مطرجي

إن الدنيا رُغْم خَيراتها التي لا تُعدُّ ونِعَمِها التي لا تُحصى، فإنها مَشوبةٌ بالنَّكَد ومَليئةٌ بالكَدَر، إذا نظرَ الناسُ إليها بجارِحة البَصَر، أو بَعينِ البصيرة، وجَدوا أن عَيشَها ابتِلاء وحياتَها عَناء، وأنّ أهلَها منها على وَجَلٍ إما بِنِعمةٍ زائلةٍ أو بَلِيَّة نازِلَة أو مَنِيَّة قاضية... ولو اسْتَقرَأْتَ النَّقْل والعَقْل لأخبراكَ أن الدنيا دار ُعملٍ وابتِلاء لا دارُ حِسابٍ وجَزاء، وأن الحياةَ قائمةٌ على الهُمومِ والأحزان، والغُمُومِ والأَشْجَان، والصَّحِيحُ يَتَرقَّب السَّقَم، والكبيرُ ينتَظِرُ الهَرَم، والعاقِل يترَقَّب الموت، والشاعر يقول: طُبِعتَ على كَدَرٍ وأنتَ تُريدُها صَفواً من الأقْذارِ والأكْدارِ فالدُّنيا لا تخلو مِن مِحنَة أو رَزِيَّة!

الثُّقَلاء
18/05/2017 - الشيخ نزيه مطرجي

في صَحبنا عُقلاء فُضلاء، وظُرفاء نُدماء، وثُقلاء سُمجاء؛ أما العُقلاء فهم كالغذاء أو الدواء، لا يُستَغنى عن صُحبَتهم، ولا يُزهد في رأيهم، ومَثَلُهم كحامل المِسك، إما أن يُحذِيَك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجدَ منه ريحاً طيِّبة. وأما الظُّرَفاء فسَلوَةٌ لك في الأحْزان، وجَلْوَةٌ في الأكْدار، وأما الثُّقلاء، وهم مدار البحث، فمُجالستُهم داءٌ مَرير، ومُخالطتهم عذابٌ وبيل! الثقيل يُجاهر بالعيوب، فلا أرَبَ له في الأدب، ولا نصيبَ له في الحياء، ومَن لا يعرف الأدب، وبخاصّة أدب الحياء، فإنه يُجافي سُنَن الإسلام، وهَدي المصطفى عليه الصلاة والسلام.

الخِصال المُوجِبة لِلْجَنّة
11/05/2017

إنّ الزمن نِعمةٌ من أجلِّ النِّعَم، وكنْزٌ من أَنفَس ما يَمْلِكه ابن آدم، إنْ فاتَ لا يُستعاد، وإنْ ضُيِّع لا يُستعاض. يقضي الإنسانُ العُمر في الفارغ الذي لا يُجدي، والتافِه الذي لا يُغني، فإن ألَمَّ به مُصابٌ فإنه لا يَحزَنُ على فارطِ عُمُره، ولا ينوح على فائت دَهْرِه، ولكن يبكي على وَهَن قِواه، وتغضُّن الجباه، وانْتِكاس العافية! إن الوقتَ رَأْسُ مالِك الثّمين، ولسوف تُسأل عن إنفاقك منه، وتَفريطك في إهدارِه، يقول الرسول [: «لا تزولُ قدَما عبدٍ يوم القيامة حتى يُسألَ عن أربع: عن عُمُره فيم أفْناه، وعن شبابه فِيمَ أَبْلاه، وعن ماله من أينَ اكتسبَه وفيمَ أنفقه، وعن عملِه ماذا قدَّم فيه». رواه الترمذي. ولما كان الوقت بهذا القدر من النِّعمة

الإحسانُ إلى الجِوار
04/05/2017 - الشيخ نزيه مطرجي

إن القلوب جُبِلت على حبِّ مَن أحسن إليها، وبُغْض مَن أساء إليها، فالزارع لا يحصُد إلا ما زَرع، فلا يجني من الشَّوك العِنَب، ولا يسقي من الماء الأُجاج الشرابَ الزُّلال. إن الـمُحسن يُعطي أكثر مما عليه، ويأخذ أقل مما له، فالإحسان عنده يفوق فِعل الواقف على خط العدل، يُجاوزُه صُعُداً إلى مقام الفَضل! إن المرء يعجم عوده، ويختبر معدنه، ويُسبِل الستار عن خُلُقه وطبعه عند الخُلطاء الأقربين، فتنعكس حقيقته أمام ناظِريهم، كما تنعكس أجرامُ السماء على صفحات الماء! ومن الخُلَطاء الذين يُؤمر المسلم بحُسن معاشرتهم الذين يُجاورونه في سَكَن، أو يَصحَبونه في سفر، أو مُزاولة عمل، يقول الله تعالى: {واعْبُدوا

آفاتُ اللِّسان
27/04/2017 - الشيخ نزيه مطرجي

إنّ أَعظَمِ الأَخْطارِ على الإنسان آفاتُ اللّسان، وما أَشَدَّ خَطَرَها وما أَشْرَس عَسْكَرَها الذي يَنقَضُّ على المَرْء من داخلِ حِصْنِه، وُيحدِثُ فيه إيلاماً وتَعْذيباً، وهَدْماً وتَخْريباً! وهل يَكبُ النّاسَ في النّار على مَناخِرِهم إلا حَصائِدُ أَلّسِنَتِهم. ما من سبيلٍ للنّجاةِ من ذلك الّخطر الدّاهم إلا طُولُ الصّمْتِ، وتَرْكُ الهَذَر، لذا مَدَح الإسلامُ الصَّمْت وعَدَّهُ من أَحَسَنِ الفَضائل، ودعا إليه، وقال في ذلك نبّيُنا الأكرم [ الذي أوتي جواهِرَ الحِكَم، وجوامِعَ الكَلِم: «مَن صَمَتَ نجَا» رواه التّرمِذيّ، وإنّ أَيْسَر العِبادة وأّهْوَنَها على البَدَن، الصّمْتُ وحُسْنُ الخُلُق. وَرد في الكتب القديمة كما ذكر صاحبُ «كليلة ودِمْنة» أن أربعة من الملوك اجتمعوا، وهم: ملك الهند والصين وفارس والروم، وقالوا: ينبغي أن يَتكَلَّمَ كلُّ واحدٍ منّا بكلمة تدوَّن عنه على غابِرِالدَّهْر، فقال مَلِك الصين: «أنا على رَدِّ ما لم أَقُلْ أَقْدَرُ منّي على رَدِّ ما قلت»، وقال ملِكُ الهند: «عَجِبتُ ممَّن يتكلّم بالكلمة إن كانت له لم تَنْفَعْهُ، وإن كانت عليه أَوْهَنَتْهُ»، وقال مَلك فارس: «إذا تكلّمْتُ بالكلمة

مُحاسَبة الحُكّام
20/04/2017 - الشيخ نزيه مطرجي

الزُّعماءُ والحكّامُ هم أحوَج الأنام إلى نُصْحِ النّاصحين ووَعْظ الواعِظين وتَذكرة الصالحين؛ والذين يتولَّون شؤون الأمة والولايات العامة هم أكثر البشر تعرُّضاً للغفلات والزلّات، ومن كان منهم راجح العقل واسع الحكمة، عظيم الهمة لا يترفَّع عن سماع النّاصحين الأُمناء، والواعظين الحُكماء مهما علا قدره، وقوِيَ سُلطانُه! لقد أتى على الأمة حِقبٌ مُشرقة وأيام مُزهرةٌ، تجلّى فيها سرُّ عظمتها في وفائها للحق مع من تُطيع من الزعماء والرؤساء، فلم يكن رجالها يتهيَّبون من تأييد الحكام حين يصيبون ولا يترددون عن نُصحهم حين يُخِطئون.. ولا يزال هذا المجد الغابر في طريق الانحدار حتى آذَنَت شمسها بالغروب وعهْدها بالانهيار.. ولم يعُد يبقى من الأمناء الذين يحافظون على خُلُق الشجاعة والجَهر بكلمة الحق إلا كمثل الخُلَّب من الضوء في ظلام الليل!

123456