مثل القائم على حدود الله والواقع فيها
العدد 1332 / 10-10-2018

لله سبحانه حكم كثيرة في إمهال إبليس إلى يوم القيامة، فتوعّد إبليسُ ذريّةَ آدم بإغوائهم وإضلالهم وسوقهم كما تساق الدواب: ﴿“أرأيتك هذا الذي كرمت عليّ لئن أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلاً..”﴾، ووعد سبحانه له ولمن تبعه جهنم، وضمن لعباده أن يعصمهم من الشيطان: ﴿“إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين”﴾، وهي مواضع كثيرة بأساليب مختلفة وردت في القرآن، لعل الإنسان يقرأ ويدرك خطر هذا الشيطان الذي دفعه حسده وكبره على تلك العداوة الشرسة لله تعالى، فكان من حكمته تعالى أن ابتلى الناس في هذه الدنيا، ومنها وجود الشيطان نفسه، وبين ربنا تعالى بوضوح أنه عدو لنا لنتخذه عدواً.

اشْفَعوا تُؤْجَروا
الشيخ نزيه مطرجي

الناسُ للناس في كلِّ عَصْر وزَمَن بعضٌ لِبَعْضٍ وإن لم يَشْعُروا خّدَمُ.. فالله تعالى قَسَم بين العباد أَرْزاقَهم ومعايشَهم، ورَفع بعضَهم فوق بعضٍ دَرَجاتٍ {ليَتَّخِذَ بعضهُم بَعْضاً سِخْريّاً} الزخرف 32 إن البشر لا يَصْلُح حالهم ولا يستقيمُ أمْرُهم إلا بتحقيق التعاون بينّهم، وتبادُلِ المصالح والمنافِع، وأن يَسْعى لدفع كُلِّ غَمّ كاشِف وكُلّ هَمّ فارج. لقد رأىَ أهْلُ السّلف قضاء الحوائج من جلائل الأعمال وكرائِم الخصال. فكانوا يُقَدّمونها على أَداء النّوافل والاعتكاف في الجوامع، ويسْهرون ليلهم، ويظمأون نهارَهم في عُكفِهم على السَّير في الحاجات وتلبية الشَّفاعات.

كفّ الأذى
الشيخ نزيه مطرجي

الناس يختلفون في الغايات والمقاصد، وفي المذاهب والمشارب، فمنهم من تتحكم فيه الشهوات البدنيّة، ومنهم من تقوده الرغبات النفسيّة، ومنهم من يحبون العاجلة ويذرون الآخرة، ومنهم من يبتغي فيما آتاه الله الآخرة ولا ينسى نصيبه من الدنيا. وصادقُ الايمان له وجهة عليّة وهمّة سنيّة، تنطلق من دعوة الاسلام الى فعل الخير ودوام المسابقة إليه، والله تعالى يقول: {ولكّل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات...} البقرة 148، وقد أخبر الله عز وجل أنه أوحى الى أنبيائه دوام فعل الخيرات بقوله: {وأوحينا اليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين} الأنبياء 73.

أفَةُ اللّعْن
الشيخ نزيه مطرجي

إنّ أَشَدَّ الأَخْطار على الإنسان آفاتِ الّلسان، وما أَكْثَر هذه الأَخطاء، وما أشَرّس عَسْكرها الذي ينقضُّ على المَرْء من داخل حِصْنه، فيُحدثُ فيه إيلاماً وتَعْذيباً، وهَدْماً وتَخْريباً! وإِنّما يُكَبُّ النّاسَ في النار على مَناخِرهم حصائدُ أَلْسِنَتِهم. ما مِن سبيلٍ من ذلك الخَطَر الداهم إلا طولُ الصَّمْت، وتَرْكُ الهَزَر، لذا مَدَح الإسلامُ الصّمْتَ، وعَدَّهُ من أَحْسَن الفَضائل، ودعا إليه وقال في ذلك نَبِيُّنا الأَكْرَم صلى الله عليه وسم الذي أُوتِيَ جواهِرَ الحكم وجوامِعَ الكَلِم: «مَن صَمَت نَجَا» رواه الترمذي، وإن أيسَرَ العِبادةِ وأهونَها على البَدَن الصَّمتُ وحُسْنُ الخُلُق.

كرامةُ ابن آدم
الشيخ نزيه مطرجي

إن الله تعالى كرّم الإنسان، خَلقه بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وسخّر له ما في السموات وما في الأرض جميعاً منه، وجعله خليفة في الأرض. يقول الله تعالى: {ولقد كرّمنا بني آدم وحملناهم في البرّ والبحر ورَزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممّن خلقنا تفضيلا} الإسراء – 70. لقد كرّم الله بني آدم بجمال المظهر وبالتقويم الأحسن والمزاج الأعدل والتمييز بالنُّطق والعقل، والاهتداء إلى سُبُل المعاش والمَعاد، والسيادة على الأرض والكائنات، وغير ذلك مما يقف الحصر دون إحصائه.

استدراج أهل الدنيا
الشيخ نزيه مطرجي

إن الله تعالى يُؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويُغني من يشاء، ويُفقر من يشاء، وإذا أعطى الله عبداً وأغناه فليس ذلك تشريفاً له أو تكريماً من مولاه، وليس دليلاً على حُبّ الله ورضاه، وإذا قنع الله عبداً وجعله بما أنزل إليه من خيرٍ قليل المال فقير الحال، فليس في ذلك بُرهانٌ على سخط الدّيّان، ونقمته من ذلك الإنسان. إذا أعطى الله المطيعَ الشاكر، ففي ذلك العطاء تمحيص وابتلاء، واذا أعطى العاصي الجاحد، ففي توارُد النعم عليه استدراج وإملاء! وبَسطُ الأرزاق أخطر على المرء من البؤس والإملاق.

النوايا الخفيّة‎
الشيخ نزيه مطرجي

لا يعلم خائنة الأعين وما تخفي القلوب إلا علاّم الغيوب. إن الصدور تُكن في بواطنها أسراراً وخفايا، وأستاراً وضباباً، لو يرفع الغطاء عنها في الحياة الدنيا لساءت علاقات وقامت صداقات، ولنشأت خصومات وظهرت مودّات، ولو كشفت النوايا المخبوءة لسلم أبرياء ونبذ أدعياء، ولعز أقوام وذل آخرون. إن الأقوال والأعمال الصالحات مناط بالمقاصد والنيات، والله عزّ وجل ينظر إلى القلوب والأعمال، لا إلى الصور والأشكال، وفي صدق النيّة جاء في الأحاديث النبوية: «من أحب لله وأبغض لله، وأعطى لله ومنع لله، فقد استكمل الايمان» أخرجه الترمذي. إنّ النية الصادقة هي أصل الأعمال الصالحة، والعمل الصالح لا يعتد به إلا إذا صدر

أنتَ وخُصَماؤك
الشيخ نزيه مطرجي

قد تَخفى عليكَ مساوِئُك في معاملة الناس في التجارة والإجارة، وفي المُصاحبة والمُجاورة، والمُخاصمة والمُناصَحة، فيكثر خُصماؤك، وأنتَ ذاهل، وقد تهون عليك عَثَراتُك في أفعالك فيقلَّ أحباؤك وأنت غافل، وما كل إساءة في الحياة تُدرِكها فطانةُ فاعلها، وما كلُّ مَظلمةٍ في العباد يُحسُّ بها جانيها. فكم من قلوبٍ فُجِعَت وما يدري فاجِعُها! وكم من أكبادٍ حُرِمَت وما يشعر جارِحُها، وكم من أجْفانٍ قُرحَت وما يدري قارحُها! وإن نكايات الناس لا تُحـصى، وشكايات الوَرى بعدد الحَصى. والناس الفُطُن هم الذين يعمَلون لما بعد الموت، وأكْيَس الناس هم أشدُّهم للموت ذِكراً، وأكثرهم للآخرة استعداداً وعَمَلاً؛ أولئك الأكياس ذهبوا بشرف الدنيا وكرامة الآخرة. إنه لا ينجو في الآخرة من شدةِ الحساب وهَول العِقاب، إلاّ من حاسَبَ نفسَه في الدنيا

المُفارَقَة بالمَعْروف
الشيخ نزيه مطرجي

المصاحبة بالمعروف والمُفارقَةُ بالمعروف خُلُقان يَخرُجان من مِشكاةٍ واحدة، وقد يسهُل على العامّة المُصاحبةُ بالعُرف والمُعاشرة بالوُدِِّ واللُّطف، ولكن يَصعُبُ على أَكثَرِ الخَلقِ المُفارقة بالمعروف مهما رقَّت مشاعرُهم، وقَوِيَت وشائِجُهُم، وصفَت قُلوبُهم. والحبُّ والبُغض، والقُربُ والبُعد، والحَلِفُ والخَلَفُ، كلٌّ من هذه الخِصال ينبغي أن يُقيَّد بالأناة والهَون، وأن يُحكَم بالاعتدال بلا غُلُوّ. لقد كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أكرَمَ مَثلٍ للمصاحبة بالمعروف والمُعاشرة بالحُسنى، كما كان الأُسْوةَ العُظمى في الرَّحمة والمغفرة؛ وقد جاء في الحديث عن صفاته في الكُتُب السابقة: «ليس بِفَظٍّ ولا غليظٍ ولا صخَّابٍ في الأسواق؛ لا يجزي السيّئة بالسيِّئة ولكن يعفُو ويصفَح..» فكان يُكرِمُ أهلَ الفَضل ويتألَّفُ أهلَ الشّـَرف بالبِرّ، ولا يَجْفو على أحد، ويقبل مَعذرة المُعتَذِر إليه ويُقيل عثرة الواقع في عِثاره. وكان يُقابِل الجميلَ بالجميل والإحسانَ وبالإحسان؛ يقول عن صاحبِه الصِّدِّيق: «ما لأحدٍ عندنا يدٌ إلاّ وقد كافأناهُ ما خلا أبا بكر فإن له عندنا يداً يُكافئُه الله بها يوم القيامة» أخرجه الترمذي؛ ويقول له: «أنت صاحبي في الغار وصاحبي على الحوض» أخرجه الترمذي.

يا لها مِن فِتنة!
الشيخ نزيه مطرجي

قد يطلبُ المرءُ من مُغْريات الدنيا ما فيه عَطَبُه، ويتمنّى من شهواتها ما يتهدَّدُه خَطرُه، ويشتَهي مِن لذّاتها ما يصيبه عذابُه، وإن من أشدِّ المَلذّات إيقاعاً في البلِيّات وإركاساً في الخطيئات طلبُ الولايات والتطلُّع إلى الإمارات. إن كلَّ مؤمنٍ مُهيَّأٌ لحَمْلِ الشَّهادة، واعْتِناق العَقيدة، ومُؤهلٌ لتحمُّل العبادة وإقامة الشـريعة، ولكن قلَّما تَلقى مؤمناً حقيقاً بأمانة البلاد وشؤون العباد؛ ولو يُعطى الناس بدَعواهم وأمانِيهم لصار الناس وُلاةً بلا ولاية، ورُعاةً بلا رعيَّة! قد تكون الولاية في مُبتدئها رَغداً وسعادة، لكنها تنقلب في مُنتَهاها نَكداً ونَدامة، وفي ذلك يقول النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم: «إنكم ستَحْرصونَ على الإمارة، وستكون نَدامة يوم القيامة، فنِعمَ المُرضِعة وبِئسَت الفاطِمة» أخرجه البخاري؛ فهي آسِرةٌ مَحبوبةٌ شَأْنُها كشأنِ الُمرضِعة للرَّضيع، ولكنَّ عاقِبَتها بعد الفِطام والانفصال عاقبةٌ وخيمة ما لم يكن الذي تولّاها أميناً ومُؤدِّياً حقوقَها. وقد نبَّهَنا سيِّدُ الخَلْق إلى ثِقَلِ أمانة المتولّي في قوله: «ما من رجلٍ يَلِيَ أمرَ عَشـرة فما فوق إلّا أتى الله يومَ القيامة، يدُه مَغلولةٌ إلى عُنُقه، فَكَّه بِرُّه أَو أوْثَقَه إثمه، أوَّلُها ملامَة، وأوْسَطُها نَدامة، وآخرها خِزيٌ يوم القيامة» أخرجه أحمد.

12345678910