ختامها مسك

الشذوذ.. يتسلّل بيننا
12/07/2018 - أواب إبراهيم

على شاشة عربية، كانت المذيعة في برنامجها الاجتماعي تناقش موضوع الشذوذ الجنسي وانتشاره في المجتمعات العربية. بالطبع المذيعة استعملت وصف المثليّة الجنسية لأنها لا تعتبره شذوذاً، بل أمراً طبيعياً يجب التأقلم معه والتعاطي بإيجابية. ما لفتني في البرنامج الحواري الذي يفترض أن يقدم مختلف الآراء على اختلافها، أنه لم تجرِ استضافة متحدث رافض لموضوع الشذوذ، وكان تبرير المذيعة أن برنامجها لا يسمح بإبراز وجهات نظر إقصائية ترفض الآخر.
يعدّ الشذوذ الجنسي من القضايا التي تتجنب مجتمعاتنا العربية والإسلامية الحديث عنها بصوت عال. فكما يدل اسمها، هي عبارة عن «شذوذ» على الأصل، في حين أن الأمر معاكس في الغرب. فالمثلية الجنسية من القضايا المثيرة للجدل والنقاش بين الناس وفي السياسة. وقد أجرت العديد من الدول استفتاءات شعبية خاصة بتشريع أو عدم تشريع المثلية الجنسية. واليوم باتت المثلية الجنسية مشرّعة في معظم الدول الغربية، بل إن بعض الدول تبحث في سنّ قوانين تجرّم الأشخاص الذين يرفضون المثلية الجنسية كما هو حال معاداة الساميّة. وقد حدث قبل أشهر في قمة حلف شمال الأطلسي «الناتو» أن وقف «زوج» رئيس وزراء اللكسمبورغ (المثلي) إلى جانب زوجات رؤساء الدول المشاركين في القمة، ومرّ الأمر بشكل طبيعي في الغرب، في حين أنه كان مادة للغرابة والطرفة في بلادنا العربية والإسلامية، التي ما زالت تجرّم المثلية الجنسية وترفضها اجتماعياً أقلّه في العلن. هذا لا يعني أن المثلية الجنسية ليست موجودة في مجتمعاتنا، على العكس هي منتشرة وتتوسع وتتمدّد، وباتت تطاول شرائح اجتماعية كانت بعيدة عنها في السابق. لكن مجتمعاتنا، وكما عهدناها دائماً في كل القضايا الإشكالية والأمراض الاجتماعية، تطمس رأسها في الرمال وتتجنب مواجهة الواقع، وتقرع الطبول رفضاً واشمئزازاً وتنديداً، عوض العمل على مواجهة الواقع والعمل على معالجته.
من المعروف أن الشذوذ الجنسي ليس أمراً جديداً طارئاً، ويعود لآلاف السنين، بل إن تسمية الشذوذ بين الرجال «اللواط» نُسبت إلى قوم نبي الله لوط، الذين كانوا يرتكبون الموبقات. لكن قِدم الشذوذ لا يعني الاتفاق على توصيفه، فبعض العلماء يقولون بأن أسباب الشذوذ عضوية، ويدلّلون على ذلك بأن الشرع الحنيف أقرّ نصيباً محدداً في الميراث للخنثى، وهو الذي لم يحدَّد جنسه ذكراً أو أنثى. علماء آخرون اعتبروا الشذوذ مرضاً نفسياً مكتسباً يجب العمل على معالجته، في حين أن آخرين –ومنهم علماء الشريعة- يؤكدون أن الشذوذ الجنسي انحراف سلوكي بدأ مع الثورات الجنسية في الغرب، وساهم فيه البعد عن الأخلاق والقيم، وانتشار المخدرات ونتيجة للمطالبة بالحرية الشخصية المطلقة خارج أي قيد أو ضابط.
بعيداً عن التوصيفات، ما أود الوصول إليه، هو أن الشذوذ الجنسي لم يعد أمراً بعيداً عن مجتمعاتنا، وبالتالي لم يعد من المنطق تجاهله وإهماله، وبات الأمر يستدعي ممن يعنيهم الأمر البحث في أسباب انتشاره والتعامل معها ومعالجتها، من زوايا طبيّة ونفسية واجتماعية ودينية، بعيداً عن الرفض المطلق والإقصاء والصدّ والتعبير عن الاشمئزاز. هي ليست دعوة للتأقلم مع ظاهرة الشذوذ والتكيّف معها والقبول بها، بل للتعامل معها بواقعية وموضوعية، والعمل الجاد من خلال دراسات علمية حقيقية تبحث عن أسباب وخلفيات انتشار الشذوذ في مجتمعاتنا، والعمل على إيجاد الحلول لها بعيداً عن التهديد والوعيد بعذاب في الدنيا والآخرة. فالشذوذ لم يعد ظاهرة طارئة، بل بات يتسلل من حولنا، ويكفي إدراك أن بعض من نجح في الانتخابات النيابية الأخيرة يحملون في أيديهم مقترحات قوانين تهدف إلى تشريع الشذوذ الجنسي، تحت راية الحرية الشخصية.