ختامها مسك

أميركا غير ما ترى
12/04/2018 - أواب إبراهيم

ليست زيارتي الأولى للولايات المتحدة الأميركية، لكنها الأولى التي أزعم أنني استطعت من خلالها رسم صورة متوازنة للحياة فيها، دون انبهار ببعض إيجابياتها أو احتقار لبعض سلبياتها.
في الولايات المتحدة تدرك جيداً المعنى الحقيقي للمساواة بين الجنسين، بعيداً عن الكلام الفارغ الذي نسمعه في بلادنا من جمعيات حماية المرأة. فمن الشائع والأغلب الأعم أن تجد نساء يقدن سيارات لتوصيل البريد، أو شرطيات سير، أو تجد أخرى تحمل بيديها كرتونة ثقيلة لم تجد –ولا تتوقع- من يساعدها. يستغربن حين تفسح الطريق لإحداهن، أو حين تعرض على إحداهن المساعدة في حمل أغراضها. 
في الولايات المتحدة تدرك المعنى الحقيقي للحديث الشريف «تبسمك في وجه أخيك صدقة»، أو حين سئل الرسول الأكرم «أي الإسلام خير، قال تطعم الطعام وتقرأ السلام على من عرفت ومن ولم تعرف». النساء يوزعن الابتسامات على من يلقونه في طريقهن، يلقين التحايا بمناسبة ومن دون مناسبة. تضطر اضطراراً إلى أن تحافظ على ابتسامتك لأنك ستحتاجها كل حين لتبادلها مع الآخرين. تشميت العاطس في ديننا تقابله Bless you عندهم. يتبادلن أطراف الحديث حول كيف قضت كل منهن نهارها. أما حين تكون حائراً بما تريد أن تختار لتأكل، تجد من يتطفل عليك بلطف وينصحك بتناول هذا النوع لأنه لذيذ. الطباع الودودة للأميركيين لاتعني أنهم اجتماعيون، فالحياة الإلكترونية تحتل جزءاً واسعاً من حيواتهم. التسوّق أونلاين، وطلب سيارة الأجرة أونلاين، والتحكم بحساباتهم المصرفية، ودفع ضرائبهم أونلاين، حتى الطريق التي يسلكها السائقون هي تلك التي نصحتهم بها خرائط الغوغل والجي بي أس.. وسائل حديثة وفرت الكثير من الوقت والمال وحرق الأعصاب، لكنها سلبت الأميركيين الكثير من أسباب التواصل في ما بينهم.
ممارسة الرياضة نمط حياة يشمل شرائح واسعة من الأميركيين. لا يحتاج الأمر للتسجيل في ناد رياضي. في الصباح الباكر وقبل التوجه للعمل تزدحم الأرصفة ومسارات المشاة والحدائق بالراكضين، ومعظمهم من الراكضات رغم برودة الطقس القارس. هذا لا ينفي انتشار البدانة، ولا سيما حين تدرك أن وجبة فطورهم التقليدية هي البيض المقلي مع شرائح اللحم المقدّد، وحين تعلم أن الهمبرغر وستيك اللحم وجبة مقدسة.
مشاكلنا التي نظن أننا وحدنا من يعاني منها معظمها موجود في الولايات المتحدة. فليس صحيحاً أن كل من يعيش في أميركا سعيد ومرتاح البال ومطمئن لحاضره ولمستقبل أولاده. في الولايات المتحدة كما في بلادنا تجد الفقير والغني، تجد من يقود سيارة فارهة وذلك الذي يعتمد وسائل النقل العامة كالمترو والقطار لعجزه عن تحمل تكاليف سيارة. بل إن في أميركا مشاهد بؤس وفقر لم يسبق لي أن رأيتها في لبنان. من الطبيعي أن تجد مشرداً يفترش أحد الأرصفة يغطي نفسه بكراتين علّها تقيه صقيعاً يصل حدّ التجمّد. أما التسوّل فسمة منتشرة في كل ناحية، مع فارق أن للتسول الأميركي نكهة مختلفة، فالمتسوّل لا يطلب منك المال مقابل دعائه لك «لله يا محسنين»، إنما هو يقدم لك عزفاً موسيقياً أو ألعاباً سحرية تدفعك إلى رمي بضعة سنتات في الكوب الذي أمامه.
مقولات كثيرة صدقناها وهي غير صحيحة، فالتعليم والاستشفاء ليس مجانياً كما يقال، كما أنه ليس صحيحاً أن الدولة تقوم بدفع رواتب من لا يعملون. الشيء الوحيد المجاني هو دخول المستشفيات بحالة الطوارئ العاجلة، أما ما دون ذلك فلكل شيء ثمن باهظ يعجز الكثير من الأميركيين عن تحمله. التعليم الجامعي الذي نعتبره في لبنان «تحصيل حاصل» يتخلى عنه الكثير من الأميركيين لعجزهم عن دفع أقساط الجامعات الخيالية.
كثيرة هي الصور النمطية التي رسمناها للحياة في الولايات المتحدة والغرب عموماً، وفي الغالب هي ليست صحيحة أو على الأقل ليست دقيقة. فالكثير من مشاكلنا ومعاناتنا تجد مقابـلاً لها هناك. يمتازون عن بلادنا ببعض الجوانب ونمتاز عنهم بجوانب أخرى. ونرجو أن نفيد ونستفيد!