الأمان اللبناني

عن الإحباط الذي اختلف عليه المسؤولون في الساحة الإسلامية
26/10/2017 - وائل نجم

في كلمات النواب الأسبوع الماضي خلال جلسة مناقشة مشروع قانون الموازنة العامة لعام 2017، ركّز بعضهم في مطالعاتهم على الأمور السياسية أكثر مما ركّزوا على مسألة الأرقام والمال والصرف والمخصصات، وذلك أنه في بلد كلبنان فإن الحديث عن السياسة هو في جزء كبير منه حديث عن الأرقام والمال، والعكس أيضاً هو الصحيح، وبالتالي فإن هؤلاء النواب الذين تحدّثوا في السياسة أكثر مما تحدثوا بالأرقام والمال اعتبروا أن الأصل هو أن الحكومة تترجم سياستها إلى أرقام ومال، وكان من الطبيعي في حديث البعض التركيز على مطالب المناطق التي يمثلونها، وأيضاً الفئات والشرائح الشعبية التي ينطلقون منها أو يتحدثون باسمها أو نيابة عنها.
لقد برز في هذا الجانب تركيز بعض النواب على الأحباط واليأس الذي أصاب بعض الشرائح التي تعدّ مكوّناً أساسياً في لبنان، وعلى وجه التحديد الإحباط الذي أصاب المكوّن المسلم السنّي تحديداً. وقد ذكر النواب الذين عرّجوا على هذا الأمر الأسباب التي أوصلت المسلمين السنّة في لبنان إلى حالة من الإحباط، بل ربما أحياناً إلى مرحلة الكفر بالدولة التي يُعتبرون أساس وجودها واستمرارها  واستقرارها، وعدّوا من بين ذلك، الخطاب العنصري الذي يعتمده البعض، والخطاب التخويني والمذهبي الطائفي الذي ينطلق منه البعض الآخر، والممارسات التي يقوم بها من لا يقيم أي اعتبار لمنطق الدولة ولا لسيادتها أو سيادة مؤسساتها، أو أولئك الذين يتعاملون مع الدولة، ويتعاطون مع مؤسساتها وكأنها شركة يريد كل شريك فيها أن يحقق أفضل الأرباح لنفسه منها، ضارباً عُرضَ الحائط بكل مصالح شركائه الآخرين، ولتسقط الشركة بعد ذلك على رؤساء كل الشركاء. لقد نما الإحباط عندما شعر بل ولمس المسلمون أنهم مستهدفون في صلاحياتهم على مستوى الدولة، وعلى مستوى دورهم في إدارتها، وعلى مستوى تعامل القضاء مع أبنائهم، حتى أن أحد مفتي المناطق (المفتي الشعار) جاهر بموقف يُعدّ نوعياً من مرجعية بهذا الحجم والمستوى عندما انتقد بشكل صريح وواضح الأحكام التي صدرت عن المحكمة العسكرية وكأنها محكمة وجدت لتحاكم أبناء المسلمين السنّة فقط، في حين أن عدالة القضاء وعينه تكون بعيدة دائماً عن ممارسات وتجاوزات الآخرين حتى لو فعلوا «السبعة وذمتها» كما يقال. وكثيرة هي العناوين والملفات التي يجري الحديث فيها جهراً بعدما كان الحديث فيها يجري سرّاً عن الاستهداف والإحباط وكل العناوين التي لا توصل إلا إلى مكان واحد هو تراجع ثقة هذا المكوّن، ومعه بالطبع كثيرون، بالدولة ومؤسساتها وقضائها وسيادتها وكل هذه المعاني.
لقد رفض رئيس الحكومة، سعد الحريري، خلال ردّه على مطالعات النواب في جلسة المناقشة الحديث عن إحباط لبناني، أو إحباط سنّي على وجه التحديد. واللافت أن الرئيس الحريري كان يردّ في ذلك على الكلام الصريح الذي أطلقه عضو كتلته النيابية بالتحديد، النائب أحمد فتفت، وهنا يبدو مستغرباً أن يحمل النائب هموم الناس ومشاعرهم وما يتحدثون به بين بعضهم، وهو بكل تأكيد رأي معظم وأغلب أبناء هذا المكوّن، وفي المقابل يرفض رئيس التيار والكتلة هذا الكلام ويكذّبه، ويتحدث عن أمل وإنجازات وكأن الفترة التي يعيشها لبنان خلال هذا العهد فترة ذهبية يأمن فيها المواطن اللبناني على نفسه وماله وحقوقه ودوره وحضوره وحتى وجوده!
كلا يا دولة الرئيس، ليس صحيحاً أن لبنان يعيش بأفضل حالاته، والصحيح أن ما تحدّث عنه النواب هو جزء بسيط من حالة السخط على الحالة التي وصل إليها لبنان، ووصل فيها المكوّن الذي تنتمي إليه وتتحدث باسمه وتشغل موقعه في إدارة الدولة إلى ما وصل إليه من استهداف لوجوده، واستهتار بدوره! الصحيح يا دولة الرئيس أن حالة السخط والرفض تحوّلت إلى حالة من اليأس والإحباط جراء السياسات التي اتُّبعت خلال العقود الماضية. جراء التنازلات التي حصلت تحت عناوين مختلفة ومتعددة ليس أولها الحرص على البلد، وليس آخرها التمسك بالدولة ومؤسساتها، في وقت – للأسف – لا يرى آخرون البلد سوى محطة يجب أن يتزودوا منها بما يستطيعون من مكاسب و«غنائم»، ولا ينظرون إلى الدولة والسيادة والمؤسسات سوى سور يحميهم ويؤمّن لمشاريعهم المشبوهة والطموحة ما لا يمكنهم إدراكه عبر قنواتهم المباشرة من غير الدولة!
يا دولة الرئيس الإحباط اليوم يتحوّل شيئاً فشيئاً إلى حالة من الكفر بالدولة ومؤسساتها وعدالتها، ولا نهوّل في هذا الموضوع، ولعلّ الكثير من القريبين منك يشكون وبعبّرون كلٌ على طريقته من هذا الحالة، في وقت لا تزال فيه ساحة المكوّن الذي تنتمي إليه تعاني من الانقسام والتشرذم والاختلاف على المغانم البسيطة التي تتمثل تارة بوظيفة تافهة هنا أو بمكسب هزيل هناك، فيما أصحاب المشاريع الطموحة، والتوّاقون إلى إعادة عقارب الساعة إلى الوراء يصادرون كل المواقع الاساسية التي تُدار منها الدولة والبلد!
يا دولة الرئيس، ساحتنا تحتاج إلى مبادرة جدّية تجمع أطرافها ومكوّناتها، وتغلّب منطق الحفاظ على دور المكوّن قبل الحفاظ على مصلحة الحزب أو التيار أو الشخص. يا دولة الرئيس لم تكن هذه الساحة يوماً مصادرة لأحد على الإطلاق، وإذا كانت قد مرّت بفترة من الفترات لاعتبارات خاصة ووقفت سدّاً منيعاً إلى جانب شخص أو تيار، فهذا لا يعني أن تبقى إلى قيام الساعة حكراً وحصراً على هذه الفترة. الواقع اليوم يؤكد أن التنوّع يحميها، ولكن لا بدّ من الاعتراف به، ولا بدّ من الحفاظ عليه، ولا بدّ من جمع أطرافه وإدارتهم في هذه اللحظة التاريخة لاستعادة الأمل والثقة لهذه الساحة، لا العمل على إقصاء ما يمكن إقصاؤه للإبقاء على الاحتكارات المتوهّمة؛ وهذا كله يحتاج إلى التعاون مع الجميع وبين الجميع، وتوزيع الأدوار، وإتقان التعامل في الشأن الداخلي والإفادة من طاقات كافة القوى المكوّنة لهذه الساحة. وإلا فإن الإحباط بكل تأكيد سيتحوّل في لحظة من اللحظات، إما إلى كفر بالدولة، وهذا ليس في مصلحة أحد على الإطلاق، أو إلى «تسونامي» جارف يطيح أغلب الممسكين بتلابيب القرار في هذا المكوّن الاساسي، ولعلّ في بعض المحطات التي مررنا بها وخبرناها خير شاهد على ما أقول، ويومها فقط سيتأكد المتنكّرون لمصالح وتطلعات ومشاعر أهلهم كيف تكون النتائج!}